منتديات المافيا KSA
مرحبا بك عزيزي الزا ئر. نرجو منك أن تسجل و تدخل المنتدى معنا.
إن لم يكن لديك حساب بعد, نتشرف بدعوتك لإنشائه
وللعلم عزيز الزائر منتديات منتديات المافيا KSA


برامج جوال العاب بلاستيشن اكس بوكس
عالم من المسابقات جوائز ومن ضمن الجوائز
قرى في لعبة ترافيان ذهب في لعبة ترافيان
بطائق شحن جوال مبالغ ماليه والكثير الكثير
مسابقات شهريه فقط
سجل معانا وسوف تعيش تجربه متميزه معانا

مع تحيات

اداراة منتديات منتديات المافيا KSA



 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
» ارجوووووووووووووووووووووووكم ياااااااااااالغواليالخميس فبراير 23, 2012 9:26 amمن طرف» دروس الفوتوشوب للمبتدئين دروس الفتشوب درس طريقة عمل دوائر سكرابية بالفوتوشوب بالفتشوب درس مفيد وسهلالثلاثاء مارس 29, 2011 10:38 amمن طرف» صور نساء جميله!!الخميس أكتوبر 14, 2010 5:45 amمن طرف» حلـى الفيسات2010الخميس أكتوبر 14, 2010 5:43 amمن طرف» صورطريفه ورائعه لـ لعبة البلياردو صور روعه لـ البلياردو صورالبلياردو 28 صوره روعه للعبة البلياردو صور مختلفه للعبة البلياردو صور بلياردوالأربعاء أكتوبر 13, 2010 10:59 amمن طرف» يجي مع تحديث الكنيت باند جديدالثلاثاء أكتوبر 12, 2010 7:59 amمن طرف» اعلان هام : اسم الفائز بمسابقة القريه الف مبروك للفائزالثلاثاء أكتوبر 12, 2010 7:49 amمن طرف» موضوعي الأول الحصري" الحل الكامل للعبة Prince of Persiaالثلاثاء أكتوبر 12, 2010 7:38 amمن طرف» حمل برنامج حصن المسلم حمل برنامج حصن المسلم تصميم فتاه سعوديه حمل البرنامج (انشر الموضوع ولك الاجر باذان الله)الأحد أغسطس 15, 2010 11:07 amمن طرف

شاطر | 
 

 رواية فوضــــــــــــــــي الحواس

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Palestinian M.B
عضو جديد
عضو جديد
avatar

عدد المساهمات : 30
تاريخ التسجيل : 20/11/2009
العمر : 22
ماهي بلدك : فلسطين

مُساهمةموضوع: رواية فوضــــــــــــــــي الحواس   الجمعة نوفمبر 20, 2009 9:26 am


 رواية فوضــــــــــــــــي الحواس  منتديات المافياKSA

فوضــــــــــــــــي الحواس

عكس الناس, كان يريد أن يختبر بها الإخلاص. أن يجرب معها متعة الوفاء عن جوع, أن يربي حبًا وسط ألغام الحواس.
هي لا تدري كيف اهتدت أنوثتها إليه.
هو الذي بنظرة, يخلع عنها عقلها, ويلبسها شفتيه. كم كان يلزمها من الإيمان, كي تقاوم نظرته!
كم كان يلزمه من الصمت, كي لا تشي به الحرائق!
هو الذي يعرف كيف يلامس أنثى. تماما, كما يعرف ملامسة الكلمات. بالاشتعال المستتر نفسه.
يحتضنها من الخلف, كما يحتضن جملة هاربة, بشيء من الكسل لكاذب.
شفتاه تعبرانها ببطء متعمّد, على مسافة مدروسة للإثارة.
تمرّان بمحاذاة شفتيها, دون أن تقبلاهما تمامًا. تنزلقان نحو عنقها, دون أن تلامساه حقّاً. ثم تعاودان صعودهما بالبطء المتعمّد نفسه. وكأنّه كان يقبّلها بأنفاسه, لا غير.
هذا لرجل الذي يرسم بشفتيه قدرها, ويكتبها ويمحوها من غير أن يقبلها, كيف لها أن تنسى.. كلّ ما لم يحدث بينه وبينها؟
في ساعة متأخرة من الشوق, يداهمها حبه.
هو, رجل الوقت ليلا, يأتي في ساعة متأخره من الذكرى. يباغتها بين نسيان واخر. يضرم الرغبة في ليلها.. ويرحل.
تمتطي إليه جنونها, وتدري: للرغبة صهيل داخلي لا يعترضه منطق. فتشهق, وخيول الشوق الوحشية تأخذها إليه.
هو رجل الوقت سهوًا. حبه حالة ضوئية. في عتمة الحواس يأتي. يدخل الكهرباء إلى دهاليز نفسها. يوقظ رغباتها المستترة. يشعل كل شيء في داخلها.. ويمضي.
فتجلس, في المقعد المواجه لغيابه, هناك.. حيث جلس يومًا مقابلاً لدهشتها. تستعيد به انبهارها الأوّل.
هو.. رجل الوقت عطرًا. ماذا تراها تفعل بكل تلك الصباحات دونه؟ وثمة هدنة مع الحب, خرقها حبه. ومقعد للذاكرة, ما زال شاغراً بعده. وأبواب مواربة للترقب. وامرأة.. ريثما يأتي, تحبّه كما لو أنه لن يأتي. كي يجيء.
لو يأتي.. هو رجل الوقت شوقًا. تخاف أن يشي به فرحها المباغت, بعدما لم يشِ غير لحبر بغيابه.
أن يأتي, لو يأتي.
كم يلزمها من الأكاذيب, كي تواصل الحياة وكأنه لم يأت! كم يلزمها من الصدق, كي تقنعه أنها انتظرته حقّا!
لو..
كعادته, بمحاذاة الحب يمر, فلن تسأله أيّ طريق سلك للذكرى, ومن دلّه على امرأة, لفرط ما انتظرته, لم تعد تنتظر.
لو..
بين مطار وطائرة, انجرف به الشوق إليها فلن تصدق أنه استدل على النسيان بالذاكرة. ولن تسأله عن أسباب هبوطه الاضطراريّ.
فهي تدري, كنساء البحّارة تدري, أن البحر سيسرقه منها وأنّه رجل الإقلاع.. حتمًا.
ريثما يأتي.
هو سيد الوقت ليلاُ. سيد المستحيلات. والهاتف العابر للقارّات. والحزن العابر للأمسيات. والانبهار الدائم بليل أوّل.
ريثما يعود ثانية حبيبها, ريثما تعود من جديد حبيبته, مازالت في كل ساعة متأخرة من الليل تتساءل.. ماذا تراه الآن يفعل؟


اليوم عاد..
هو الرجل الذي تنطبق عليه دوماً, مقولة أوسكار وايلد "خلق الإنسان الّلغة ليخفي بها مشاعره". مازال كلّما تحدث تكسوه اللغة, ويعريه الصمت بين الجمل.
وهي ما زالت انثى التداعيات. تخلع وترتدي الكلمات عن ضجر جسدي.. على عجل.
هيَذي عارية الصوت. تكسو كلمات اللقاء بالتردد بين سؤالين.
تحاول كعادتها, أن تخفي بالثرثرة بردها أمامه.
كادت تسأله: لماذا لبس ابتسامته معطفًا للصمت, اليوم بالذات, بعد شهرين من القطيعة؟
ثمّ فكرت في سؤال آخر: أينتهي الحب عندما نبدأ بالضحك من الأشياء التي بكينا بسببها يوماً؟
وقبل أن تسأل. بدا لها وكأنه غير مكترث إلا بصمتها أمام ضحكته. لحظتها فقط تنبهت إلى أنه لم يكن يرتدي معطفًا.
الحزن لا يحتاج إلى معطف مضاد للمطر. إنه هطولنا السري الدائم. وبرغم ذلك, ها هي اليوم تقاوم عادتها في الكلام. وتجرب معه الصمت, كما يجرب معها الآن الابتسام.
الابتسامة الغائبة, صمته. أو لغته الأخرى التي يبدو وكأنه يواصل بها الحديث إلى نفسه لا إلى الآخرين. ويسخر بها من أشياء يعرفها وحده.
الذي يخفيه عنها, كثيرا ما أثار حزنها. أما الذي يثير فضولها, فلماذا تخلّى عنها ذات يوم بين جملتين, ورحل؟
تذكر أنّه, يومها أطبق على الحزن ضحكة ومضى. دون أن تعرف تمامًا ماذا كان ينوي أن يقول؟
لا تريد أن تصدق أنه تخلى عنها, لأنها رفضت يوما أن ترافقه إلى مشاهدة ذلك الفيلم الذي كان يستعجل مشاهدته.
سألته أهو فيلم عاطفي.. أجاب "لا".
سألته أهو فيلم ضاحك.. أجاب"لا".
- ولماذا تريد أن نذهب لمشاهدته إذن؟
- لأنني أحب كل ما يثير فيّ البكاء.
ضحكت يومها. استنتجت أنّه رجل غريب الأطوار, لا يعرف كيف يتدبر أمر حب.
وهي لا تصدق أيضا ما قاله مرة, من أن مأساة الحب الكبير, أنه يموت دائما صغيرا. بسبب الأمر الذي نتوقعه الأقل.
أيعقل أن يكون حبها قد مات, فقط لأنها لم تشعر برغبة في أن تبكي معه, في عتمة صالة سينما؟
وإنما كانت تفضل لو دعاها إلى مكان آمن, بعيدا عن فضول الآخرين, يمكنهما فيه أن يعيشا اشتعالاتٍ عالية..
ما تعتقده, هو كونه أراد إذلالها, كي يضمن امتلاكها. وربما ظن أن على الرجل إذا أراد الاحتفاظ بامرأة, أن يوهمها أنّه في أية لحظة يمكنه أن يتخلى عنها.
أما هي, فكانت دائما تعتقد أن على المرأة أن تكون قادرة على التخلي عن أي شيء لتحتفظ بالرجل الذي تحبه.
وهكذا تخلت ذات يوم عن كل شيء وجاءته.
يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Palestinian M.B
عضو جديد
عضو جديد
avatar

عدد المساهمات : 30
تاريخ التسجيل : 20/11/2009
العمر : 22
ماهي بلدك : فلسطين

مُساهمةموضوع: رد: رواية فوضــــــــــــــــي الحواس   الجمعة نوفمبر 20, 2009 9:27 am


 رواية فوضــــــــــــــــي الحواس  منتديات المافياKSA

تذكر جلست وحيدة في تلك الزاوية اليسرى, من ذلك المقهى الذي كان يعرف الكثير عنهما, والذي أصبح منذ ذلك اليوم يحمل اسمه خطأً "الموعد".
أحيانا, يجب على الأماكن أن تغير أسماءها, كي تطابق ما أصبحنا عليه بعدها, ولا تستفزنا بالذاكرة المضادّة.
ألهذا, عندما طلبته البارحة هاتفيا, قال "انتظريني هناك" ثم أضاف مستدركا " اختاري لنا طاولة أخرى.. في غير الزاوية اليسرى" وواصل بعد شيء من الصمت "ما عاد اليسار مكانا لنا".
ألأن الحروب والخلافات السياسية طالت كل شيء, ووصلت حتى طاولات العشاق وأسّرتهم؟
أم لأنه لا يريد إذلال الذاكرة, أراد لها طاولة لا يتعرف الحب فيها إليهما, كي يكون بإمكانهما أن يضحكا, حيث لم يستطيعا يوماً البكاء؟
هاهما جالسان إلى الطاولة المقابلة للذاكرة.
هناك.. حيث ذات يوم, على جسد الكلمات أطفأ سيجارته الأخيرة. ثم عندما لم يبق في جعبته شيء, دخن كل أعقاب الأحلام وقال..
لا تذكر ماذا قال بالتحديد. قبل أن يحول قلبها مطفأة للسجائر, ويمضي.
منذ ذلك اليوم وهي تتصدى لشوقها الذي فخخه بالتحدي.
تلهي نفسها عن حبه, بكراهيته, في انتظار العثور على مبرر مشرّف للاتصال به, مناسبة ما, يمكن أن تقول له فيها "ألو.. كيف أنت؟" دون أن تكون قد انهزمت تماماً؟
في تمويه لإخفاقات عشقيَّة, عرضت عليه يوماً أن يصبحا صديقين.
أجابها ضاحكاً "لا أعرف مصادقة جسد أشتهيه". كادت تسعد, لولا أنه أضاف " أنت أشهى عندما ترحلين.. ثمة نساء يصبحن أجمل في الغياب".
ولم تفهم ما الذي كان يعنيه.
أما الذي كان يعنيها, فأن تستمع إليه.
هوذا, لم يتغير. ما زال يتوق إلى الكلام الذي لا يقال بغير العينين. وهي لا تملك إلاّ أن تصمت, كي ينصتا معاً إلى صخب الصمت بين عاشقين سابقين.
بين نظرتين, يتابع الحب تهرّبه العابث. وذاكرة العشق ترتبك.
مع عاشق آخر, كان بإمكانها أن تخلق الآن ضجة وضحكاً.
أن تختلق الآن للصمت صوتاً, يغطّي على صمتها. أن تخلق الآن إجابة لكل سؤال.
ولكن معه, هي تحتفظ بالأسئلة, أو تطرحها عليه دفعة واحدة, دون صوت, بل بذبذبات صمت وحده يعرفها.
وهو يقول دون أن يطفئ سيجارته تماماً, دون أن يشعل رماد الأحلام, دون أن يقول شيئاً بالتحديد, دون أن يقول شيئاُ إطلاقاً, كان يعترف لها بأنه تغيّر كثيراً منذ 1لك الحين.
هو رجل يشي به سكوته المفاجئ بين كلمتين.
ولذا يصبح الصمت معه حالة لغوية, وأحيانا حالة جوية, تتحكم فيها غيمة مفاجئة للذكرى.
حتمًا.. كان به شيء من الساديّة.
واللحظة أيضًا تراه مغريًا وموجعًا في آن واحد. ولم تسأله لماذا هو كذلك.
أيمكن للإغراء أن يكون طيباً؟ هو الذي يوقظ شراسة الأحلام فينا..
هي كانت تريد أن تسأله فقط: كيف هو؟
ولكن قبل أن تقول شيئاً, سرق منها السؤال نفسه الذي لن يطرح غيره بعد ذلك, وقال: كيف أنت؟
بين ابتسامتين لفّ حول عنقه السؤال ربطة عنق من الكذب الأنيق. وعاد إلى صمته.
أكان يخاف على الكلمات من البرد؟ أم يخاف عليها هي من الأسئلة؟
الأسئلة غالباً خدعة, أي كذبة مهذبة نستدرج بها الآخرين إلى كذبة أكبر.
هو نفسه قال هذا في يوم بعيد, قبل أن..
تذكر قوله "تحاشَيْ معي الأسئلة. كي لا تجبريني على الكذب. يبدأ الكذب حقاً عندما نكون مرغمين على الجواب. ما عدا هذا, فكل ما سأقوله لك من تلقاء نفسي, هو صادق".

يومها حفظت الدرس جيّداً. وحاولت أن تخلق لغة جديدة على قياسه, لغة دون علامات استفهام.
كانت تنتظر أن تأتي الأجوبة. وعندها فقط كانت تضعها أسفل أسئلتها, دون أن تنسى أن تتبعها بعلامات تعجب, وغالباً بعلامات إعجاب.
تدريجيّاً, وجدت في فلسفته في التحاور, من دون أسئلة ولا أجوبة, حكمة, وربما نعمةً ما.
وشكرت له إعفاءها من أكاذيب صغيرة أو كبيرة. كانت تقترفها دون تفكير. وبدأت تتمتع بلعبة المحادثة المفترضة التي لا سؤال فيها ولا جواب.
ها هوذا اليوم. هو نفسه أمام السؤال.
من الأرجح أنه يتساءل: أيطرحه أم يجيب عنه. وهو في الحالتين كاذب.
السؤال خدعة. ومباغتة للآخر في سرّه. وكالحرب إذن, تصبح فيها المفاجأة هي العنصر الحاسم. لذا, ربما قرّر الرّجل صاحب المعطف أن يسرق منها سؤالها, ويتخلّى عن طريقته الغريبة في التحاور.
تلك الطريقة التي أربكتها طويلاً, وجعلتها تختار كلماتها بحذر كلّ مرّة, سالكة كل المنعطفات اللغوية للهروب من صيغة السؤال, كما في تلك اللعبة الإذاعية التي ينبغي أن تجيب فيها عن الأسئلة, دون أن تستعمل كلمة "لا" أو كلمة "نعم".
تلك اللعبة تناسبها تماماً, هي المرأة التي تقف على حافة الشك. ويحلو لها أن تجيب "ربما" حتى عندما تعني "نعم", و"قد" عندما تقصد "لن".
كانت تحب الصيغ الضبابية. والجمل الواعدة ولو كذباً, تلك التي لا تنتهي بنقطة, وإنما بعدة نقاط انقطاع.

وكان هو رجل اللغة القاطعة.
كانت جمله تقتصر على كلمات قاطعة للشك, ترواح بين "طبعا" و"حتما" و"دوما" و"قطعا".
وبإحدى هذه الكلمات, بدأت قصّتهما منذ سنة. تماماً كما بإحداهنّ انتهت منذ شهرين.
تذكر أنّه يومها, قطع المكالمة فجأة, بإحدى هذه الكلمات المقصلة, وأنها بقيت للحظات معلّقة إلى خيط الهاتف, لا تفهم ماذا حدث.
اكتشفت بعد ذلك, أنه لم يكن بإمكانها أن تغير شيئا. فتلك الكلمات ما كانت لغته فحسب. بل كانت أيضا فلسفته في الحياة, حيث تحدث الأشياء بتسلسل قدريّ ثابت, كما في دورة الكائنات, وحيث نذهب "طوعاً" إلى قدرنا, لنكرر "حتماً" بذلك المقدار الهائل من الغباء أو من التذكي, ما كان لا بدّ "قطعاً" أن يحدث. لأنه "دوماً" ومنذ الأزل قد حدث, معتقدين "طبعاً" أنّنا نحن الذين نصنع أقدارنا!
كيف لنا أن نعرف, وسط تلك الثنائيات المضادّة في الحياة, التي تتجاذبنا بين الولادة والموت.. والفرح والحزن.. والانتصارات والهزائم.. والآمال والخيبات.. والحب والكراهية.. والوفاء والخيانات.. أننا لا نختار شيئا مما يصيبنا.
وأنّا في مدّنا وجزرنا, وطلوعنا وخسوفنا, محكومون بتسلسل دوريّ للقدر. تفصلنا عن دوراته وتقلّباته الكبرى, مسافة شعره.
كيف لنا أن ننجو من سطوة ذلك القانون الكونيّ المعقّد الذي تحكم تقلباته الكبيرة, تفاصيل جدّ صغيرة, تعادل أصغر ما في اللغة من كلمات, كتلك الكلمات الصغرى التي يتغير بها مجرى حياة!

يوم سمعت منه هذا الكلام, لم تحاول أن تتعّمق في فهمه. فقد كان ذلك في زمن جميل اسمه "بدءًا".
ولذا كم كان يلزمها من الوقت لتدرك أنهما أكملا دورة الحب, وأنه بسبب أمر صغير لم تدركه بعد, قد دخلا الفصل الأخير من قصة, وصلت "قطعاً" إلى نهايتها!
عندما ينطفئ العشق, نفقد دائمًا شيئاَ منّا. ونرفض أن يكون هذا قد حصل. ولذا فإنّ القطيعة في العشق فنّ, من الواضح أنّه كان يتعمّد تجنّب الاستعانة به, لتخفيف ألم الفقدان.
تذكر الآن ذلك اليوم الذي قالت له فيه "أريد لنا فراقاً جميلاً.."
ولكنه أجاب بسخرية مستترة "وهل ثمة فراق جميل؟".
أحيانا كان يبدو لها طاغية يلهو بمقصلة اللغة.
كان رجلاً مأخوذاً بالكلمات القاطعة, والمواقف الحاسمة.
وكانت هي امرأة تجلس على أرجوحة "ربما".
فكيف للّغة أن تسعهما معاً؟

هو لم يقل سوى "كيف أنت؟" وهي قبل اليوم لم تكن تتوقع أن يربكها الجواب عن سؤال كهذا.
وإذ بها تكتشف كم هي رهيبة الأسئلة البديهية في بساطتها, تلك التي نجيب عنها دون تفكير كل يوم, غرباء لا يعنيهم أمرنا في النهاية, ولا يعنينا أن يصدقوا جوابا لا يقل نفاقا عن سؤالهم.
ولكن مع آخرين, كم يلزمنا من الذكاء, لنخفي باللغة جرحنا؟
بعض الأسئلة استدراج لشماتة, وعلامة الاستفهام فيها, ضحكة إعجاز, حتّى عندما تأتي في صوت دافئ كان يوما صوت من أحببنا.

"كيف أنتِ؟"
صيغة كاذبة لسؤال آخر. وعلينا في هذه الحالات, أن لا نخطئ في إعرابها.
فالمبتدأ هنا, ليس الذي نتوقعه. إنه ضمير مستتر للتحدي, تقديره "كيف أنت من دوني أنا؟"
أما الخبر.. فكل مذاهب الحب تتفق عليه.
من الأسهل علينا تقبل موت من نحب. على تقبل فكرة فقدانه, واكتشاف أن بإمكانه مواصلة الحياة بكل تفاصيلها دوننا.
ذلك أن في الموت تساويا في الفقدان, نجد فيه عزاءنا.

كانت تفاضل بين جواب وآخر, عندما تنّبهت إلى أن جلستهما قد أصبحت فجأة معركة عاطفية صامتة. تدار بأسلحة لغوية منتقاة بعناية فائقة.
وإذ بالطاولة المربعة التي تفصلهما, تصبح رقعة شطرنج, اختار فيها كل واحد لونه ومكانه. واضعا أمامه جيشا.. وأحصنة وقلاعا من ألغام الصمت, استعدادا للمنازلة.
أجابته بنيّة المباغتة:
- الحمد لله..
الأديان نفسها, التي تحثنا على الصدق, تمنحنا تعابير فضفاضة بحيث يمكن أن نحملها أكثر من معنى. أوليست اللغة أداة ارتياب؟
أضافت بزهو من يكتسح المربع الأول:
- وأنت؟
ها هي تتقدم نحو مساحة شكه, وتجرده من حصانه الأول. فهو لم يتعود أن يراها تضع الإيمان برنسا لغويا على كتفيها.
ظلت عيناها تتابعانه.
هل سيخلع معطفه أخيراً, ويقول إنه مشتاق إليها. وأنه لم يحدث أن نسيها يوماً؟
أم تراه سيرفع قبة ذلك المعطف, ويجيبها بجواب يزيدها برداً؟
أي حجر شطرنج تراه سيلعب, هو الذ يبدو غارقا في تفكير مفاجئ, وكأنه يلعب قدره في كلمة؟
تذكرت وهي تتأمله, ما قاله كاسباروف, الرجل الذي هزم كل من جلس مقابلا له أمام طاولة شطرنج.
قال: "إن النقلات التي نصنعها في أذهاننا أثناء اللعب, ثم نصرف النظر عنها. تشكل جزءا من اللعبة, تماما كتلك التي ننجزها على الرقعة".
لذ تمنت لو أنها أدركت من صمته, بين أي جواب وجواب تراه يفاضل. فتلك الجمل التي يصرف القول عنها, تشكل جزءا من جوابه.
غير أنه أصلح من جلسته فقط. وأخذ الحجر الذي لم تتوقعه.
وقال دون أن يتوقف عن التدخين.
- أنا مطابق لك.
ثم أضاف بعد شيء من الصمت.
- تماماً..
هو لم يقل شيئا عدا أنه استعمل إحدى كلماته "القاطعة" بصيغة مختلفة هذه المرة. فانقطع بينهما التحدي.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Palestinian M.B
عضو جديد
عضو جديد
avatar

عدد المساهمات : 30
تاريخ التسجيل : 20/11/2009
العمر : 22
ماهي بلدك : فلسطين

مُساهمةموضوع: رد: رواية فوضــــــــــــــــي الحواس   الجمعة نوفمبر 20, 2009 9:29 am


 رواية فوضــــــــــــــــي الحواس  منتديات المافياKSA

وهي لم تفهم. فعلا.. لم تفهم كيف أن صمتا بين كلمتين أحدث بها هذا الأثر, ولا كيف استطاع أن يسرب إليها الرغبة دون جهد واضح, عدا جهد نظرة كسلى, تسلقت ثوبها الأسود, مشعلة حيث مرت فتيلة الشهوة.
بكلمة, كانت يده تعيد الذكرى إلى مكانها. وكأنه, بقفا كلمة, دفع بكل ما كان أمامهما أرضا. ونظف الطاولة من كل تلك الخلافات الصغيرة التي باعتهما.
هي تعرف أن الحب لا يتقن التفكير. والأخطر أنه لا يملك ذاكرة.
إنه لا يستفيد من حماقاته السابقة, ولا من تلك الخيبات الصغيرة التي صنعت يوما جرحه الكبير.
وبرغم ذلك, غفرت له كل شيء.
"قطعا" كانت سعيدة, بهزيمتها التي أصبح لها مذاق متأخر للنصر.
سعادته "حتما" بنصر سريع, في نزال مرتجل, خاضه دون أن يخلع "تماما" معطفه!

* * *

أحببت هذه القصة, التي كتبتها دون أن أعي تماما ما كتبت.
فأنا لم يحدث أن كتبت قصة قصيرة. ولست واثقة تماما من أن هذا النص تنطبق عليه تسمية كهذه.
كل ما كان يعنيني, أن أكتب شيئا. أي شيء أكسر به سنتين من الصمت.
لا أدري كيف ولدت هذه القصة. أدري كيف ولد صمتي. ولكن.. تلك قصة أخرى.
منذ يومين, فاجأت نفسي أعود إلى الكتابة. هكذا.. دون قرار مسبق, ودون أن يكون قد طرأ على حياتي أي حادث بالذات, يمكن أن يكون سبباً في إثارة مزاجي الحبريّ.
ربما لاشيء, عدا كوني اشتريت منذ أيام دفتراً, أغراني شكله بالكتابة.
حدث ذلك عندما ذهبت كي أشتري من القرطاسية, ظروفاً وطوابع بريدية. ورأيت ذلك الدفتر مع حزمة من الدفاتر. كان البائع يفردها أمامي وهو يقوم بترتيبها, استعدادا لاقتراب الموسم الدراسي.
كما يتوقف نظري أمام رجل, توقف عند ذلك الدفتر. وكأنني وقعت على شيء لم أكن انتظر العثور عليه في ذلك المحل البائس الذي لا أدخله إلا نادرا.
أليست الكتابة كالحب: هدية تجدها فيما لا تتوقع العثور عليها؟

ثمة بيوت لا تستطيع أن تكتب فيها سطرا واحدا, مهما سكنتها, ومهما كانت جميلة. وهذا أمر يبقى دون تفسير منطقي.
وثمة أقلام, تدري منذ اللحظة التي تشتريها فيها.. والكلمة الأولى التي تخطها بها, أنك لن تكتب بها شيئا يستحق الذكر. وأن مزاجها الكسول, ونفسها المتقطع, لن يوصلاك إلى الأنفاق السرية للكلمات.
وثمة دفاتر, تشتريها بحكم العادة فتبقى في جواريرك أشهرا دون أن توقظ فيك مرة تلك الشهوة الجارفة للكتابة, أو تتحرش بك كي تخط عليها ولو بضعة أسطر.
ولأنني أعرف هذا, كلما تقدمت بي الكتابة, ازدادت قوة عندي, تلك الحاسة التي تجعلني منذ اللحظة الأولى, أحكم على هذه الأشياء أوْ لَهَا بحدس قلّما يخطئ.

ولذا توقفت أمام ذلك الدفتر, مدفوعة بإحساس يتجاوزني. مأخوذة بهذا "الشيء" الذي لا يميزه عن بقية الأشياء في تلك المكتبة, سوى اقتناعي, أو وهمي بأنه سيعيدني على الكتابة.


منذ اللحظة الأولى, شعرت أن بيني وبين هذا الدفتر, ذبذبات ما, تعدني بكتابة نص جميل. على هذا الورق الأبيض الأملس, الذي تضمه مفاصل حديدية. ويغطيه غلاف أسود لامع, لم يكتب عليه أي شيء.
ركضت به إلى البيت. أخفيته, وكأنني أخفي تهمة ما. ولم أخرجه سوى البارحة, لأكتب فيه تلك القصة القصيرة, التي قد يكون عنوانها "صاحب المعطف".

كعادتي عندما أنتهي من الكتابة ليلاً, عدت إلى قراءة ذلك النص أول ما استيقظت.
كنت على عجل. أريد أن أعرف إن كانت تلك قصة جميلة حقاً, كما كانت تبدو لي لحظة كتابتها. وربما كنت أريد أن أتأكد فقط, من أنني كتبت فعلاً, شيئاً ذلك المساء.

لهذا قرأتها عدة مرات, بنشوة متزايدة كلّ مرة. فقد كتبت أخيراً نصاً جميلاً. والأجمل أنه خارج ذاتي. وأنني تصورت فيه كل شيء. وخلقت فيه كلّ شيء. وقررت أن لا أتدخل فيه بشيء. وأن لا أسرب إليه بعضاً من حياتي.

وهذا في حد ذاته إنجاز أدهشني. فأنا لم يحدث يوماً أن تعرفت إلى رجل يشبه هذا الرجل. في نفوره الجذاب, وحضوره المربك, رجل يغشاه غموض الصمت والتباسه, وله هذه القدرة الخرافية على خلق حالة من الارتباك الجميل, كلما تحدّث, حتى لو كان ذلك, وهو يلفظ إحدى تلك الكلمات القاطعة, التي يتسلّى باختيارها حسب المناسبة.

وتلك المرأة أيضاً لا تشبهني. إنها تنطق بعكس ما كنت سأقول, وتتصرف بعكس ما كنت سأفعل. وهي تعتقد بحماقة أنثى, أن الذين نحبهم, خلقوا ليتقاسموا معنا المتعة, لا الألم, وأن على الرجل الذي يحبّها أن يبكي وحده. ثم يأتي يتمتع بها, أو معها.

بل إنها من سذاجتها, وجدت في تَيْنِكَ الكلمتين اللتين لفظهما دليلاً على حبه لها.
في الواقع, إن يجبها عن سؤالها "كيف أنت؟". بقوله "أنا مطابق لك.. تماماً". فهذا لا يعني سوى أنّه قرر أن لا يقول لها شيئاً.

وإذا كان ما أسعدني في هذه القصة, كونها ليست مطابقة لحياتي, فإن مطابقتها للحياة أمر جعلني أنزعج من هذا المنطق العجيب للأقدار, الذي يجعل دائماً في كل علاقة, بين رجل وامرأة, طرفاً لا يستحق الآخر. وربما تمنيّت سراً, لو كان هذا الرجل لي. إنه على قياس صمتي ولغتي. وهو مطابق لمزاج حزني وشهوتي.

ولكن هذه لم تكن مشكلتي. وتلك القصة لم تكن قصتي. أو بالأحرى, حتى الآن, لم تكن كذلك.
ولذا, وضعت لها ذلك العنوان, الذي لم أجهد نفسي كثيراً للعثور عليه. وعدت إلى مشاغلي.


لا شيء كان يهيّئني لأصبح طرفاً في هذه القصة. أو للدخول في مغامرة أدبية طويلة النفس.
هذه القصة أردتها قصيرة قدر الإمكان, بعيدة عنّي قدر الإمكان, سريعة الوقع, سريعة الخاتمة. ولكن كالأعشاب البحرية, ظلت جملها الأخيرة عالقة بذهني. وعبثاً حاولت أن ألهي نفسي بأمور أخرى. كان موضوع هذه القصة يطاردني. وشيء داخلي يرفض هذه النهاية.

لم يكن يعنيني لماذا افترق هذان العاشقان, وما إذا كانا سيجتمعان ثانيةً أم لا, ومن منهما خسر رهان التحدّي.

قصتهما الي دخلتها مصادفة, كمن يفاجئ نافذة مقابلة لشرفته مفتوحة, فيتلصص على من فيها.. لا تثير فضولي.

وحده ذلك الرجل يعنيني.
بي فضول نسائي لفهمه. بي رهان لجعله يخلع ذلك المعطف.. بي تحدٍّ ليس أكثر.

قبل هذه التجربة, لم أكن أتوقع, أن تكون الرواية اغتصابًا لغويًا يرغم فيه الروائي أبطاله على قول ما يشاء هو, فيأخذ منهم عنوة كلّ الاعترافات والأقوال التي يريدها لأسباب أنانية غامضة, لا يعرفها هو نفسه, ثم يلقي بهم على ورق, أبطالا متعبين مشوهين, دون أن يتساءل, تراهم حقا كانوا سيقولون ذلك الكلام, لو أنه منحهم فرصة الحياة خارج كتابه؟

اكتشافي هذا, لم يغير نيتي في إرغام هذا الرجل على الكلام, فلا شيء سواه يعنيني. صمته المكابر يربكني, معطفه السميك يزعجني. وكلماته القاطعة أصبحت مقصلة لأي مشروع نص قادم. ومن الواضح أنه لن يكون بإمكاني أن أكتب شيئا قبل أن ينطق هذا الرجل.

وهكذا جلست إلى دفتري. ورحت أواصل كتابة القصة وكأنني لم أتوقف بالأمس عن كتابتها.

ذات مطر.. جاء صوته على الهاتف.
وبرغم البرد, بدا وكأنه خلع معطفه وهو يسألها:
- كيف أنتِ؟ أما زال لك ذلك الولاء للمطر؟
ولم تدرِ, أكان لا بدّ أن تستنتج أنّ في أسئلته عودة إلى حبها, أم أن المطر هو الذي عاد به إليها؟

فهي لم تنسَ قوله مرّة "الأسئلة توّرطٌ عشقيّ". تماماً كما تذكر ذلك الموعد الذي جمعهما مرّة في سيارته, بينما كان المطر يهطل بغزارة.
اكتشفت يومها جمال أن يكونا عاشقين, لا عنوان لها سوى مسكن عابر للحبّ, له حميمية سيّارة.. في لحظة ممطرة.

كانت تشعر أنهما أخيراً وحيدان. ومختبئان عن كل الناس. يغطيهما ستار من الأمطار المنزلقة على زجاج النافذة.
يومها كانت تريد أن تقول له أشياء لا تقال إلا في لحظة كتلك.
ولكنه أوقف سيّارته إلى جانب الرصيف. وكأنه يوقف اندفاعها بين جملتين. وقال وهو يشعل سيجارة:
- لا جدوى من الاحتماء بمظلة الكلمات.. فالصمت أمام المطر أجمل.

لم تناقشه في رأية.
اكتفت بوهم امتلاكه, مسجونا هكذا معها في يوم ممطر, داخل سيارة, تتقاسم معه أنفاسه, ورائحة تبغه, وصوت المفاتيح في جيبه, وهو يبحث عن ولّاعة.
تراقبه في دفء تململه البطيء جوارها, وحضوره الهادئ المربك, بمحاذاة أنوثتها, مأخوذة بكلّ تفاصيل رجولته.
لطالما دوّختها تفاصيل الرّجولة, تلك التي لها كبرياء الإيحاء, وذلك الاستفزاز الحميميّ الصامت الذي تشي به ذبذبات لا علاقة لها بالفحولة, تلتقطها الأنوثة.. وتقع في عبوديتها النساء.

بعدها عادت إلى البيت باكتشاف صنع في شتاءاتٍ أخرى حزنها.
فقد أدركت, من فرط سعادتها معه يومها, أنّنا لسنا متساوين أمام المطر. ولذا, عندما يغادرنا الحبّ, ونجد أنفسنا وحيدين في مواجهته, علينا أن نتجاهل نداءه العشقيّ الموجع, واستفزازه السادي لنا, كي لا يزيد من ألمنا, كوننا ندري تماما أنه يصنع, في اللحظة نفسها, سعادة عشّاق آخرين.
أجل.. أحيانا, ليس أكثر ظلما من المطر!

وهي ما زالت تتساءل لأيّة نشرة جوية تراه يعدها.
هل عاد لأنه يريدها؟ أم هل جاء استباقا لرائحة التراب بعد المطر؟
هو الذي لا يحب من الصحو سوى تلك التربة المبللة التي يخلفها الشتاء. فيستنشق رائحتها, بحواس متوهجة, وكأنه يشتمّ أنثاه بعد الحبّ.
ولكنه سألها:
- هل أراك غداً؟ فكرت أنه يكون جميلاً, لو ذهبنا لمشاهدة ذلك الفيلم معاً.. في يوم ممطر.
وقبل أن تسأله عن أيّ فيلم يتحدّث. واصل:
- أتدرين أنّه مازال يعرض في القاعة نفسها منذ شهرين؟ إنها عمر قطيعتنا.
لم تحاول هذه المرّة أن تخترع له أعذارا. سألته فقط:
- أين نلتقي؟ قال:
- في سينما "أولمبيك" قبل عرض الساعة الرابعة. ثم استدرك:
- أو إذا شئتِ.. انتظريني عند مدخل الجامعة. سأمرّ وأخذك من هناك, عند الساعة الثالثة والنّصف هذا أفضل.
وقبل أن يمنحها وقتاً تقول فيه شيئاً, كان قد وضع السماعة مودعا, ليتركها من جديد لأسئلتها.

* * * *

سعدت بهذه النهاية, التي لم أجهد نفسي كثيرا في العثور عليها. حتى أنني كتبتها هكذا كما جاءت. دون أن أفاضلها بأخرى, ودون أن أشطب أي سطر فيها, أو أعيد قراءتها كعادتي أكثر من مرّة.
وكأنني أريد بذلك أن أقنع نفسي بأنني لست من كتبها.
ولكن أليس ثمّة دائما أمر ما تخفيه الكلمات, حتى عندما تأتي بتلقائية مريبة؟ بل إن تدفقها هكذا على نحو أو آخر , هو ما يجب أن يدعو إلى الريبة.
يحدث للغة أن تكون أجمل منا. بل نحن نتجمل بالكلمات نختارها كما نختار ثيابنا, حسب مزاجنا, ونوايانا.

هنالك أيضا, تلك الكلمات التي لا لون لها, ذات الشفافية الفاضحة. كامرأة خارجة نواً من البحر, بثوب خفيف ملتصق بجسدها. إنها الأخطر حتماً, لأنها ملتصقة بنا, حدّ تقمّصنا.
وهذا الرجل الذي كان يصرّ على الصمت, وأصرّ أنا على استنطاقه, ويصر على إبقاء معطفه, وأصر على تجريده منه, ما زال يربكني في كلّ حالاته, حتى عندما يخلع صمته.. ويلبس صوتي وكلماتي المبللة.
ها قد جعلته ينطق أخيرا, ويقول كلاما أردته أنا. فهل هزمته حقاً؟
وبرغم ذلك, بإمكاني أن أعترف أنه فاجأني. لا لأنه طلب للمرّة الثانية من تلك المرأة أن ترافقه لمشاهدة ذلك الفيلم, وهو أمر لا يشبهه, ولكن لأنه أعطاها اسم قاعة سينما لم أسمع بها من قبل. ولا أدري إن كانت موجودة حقا. لكوني لم يحدث أن ارتدت السينما في هذه المدينة, أو تابعت حتى ما يعرض فيها من أفلام.

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Palestinian M.B
عضو جديد
عضو جديد
avatar

عدد المساهمات : 30
تاريخ التسجيل : 20/11/2009
العمر : 22
ماهي بلدك : فلسطين

مُساهمةموضوع: رد: رواية فوضــــــــــــــــي الحواس   الجمعة نوفمبر 20, 2009 9:30 am


 رواية فوضــــــــــــــــي الحواس  منتديات المافياKSA

فجأة خطر ببالي أن أبحث في الجريدة, إن كانت هذه القاعة موجودة حقاً.
وهكذا رحت أفتّش في الصفحة المخصصة لبرامج التلفزيون والعروض السينمائية, مدققة في أٍماء قاعات السينما, الواحدة تلو الأخرى, وإذ بي أعثر على قاعة "أولمبيك" حيث يعرض فيلم أميركيّ بعنوان "Dead Poets Society", من الأرجح أنّه يعرض بنسخته الفرنسية؛ فلا أحد هنا يفهم الإنكليزية.
حاولت أن أجد ترجمة لهذا العنوان, عسى ذلك يفك بعض لغزه. فعثرت على عنوان قد يكون: "حلقة الشعراء الذين اختفوا".
ولأنني لم أصدق تماما أن يكون هذا هو الفيلم الذي يعنيه ذلك الرجل, فقد رحت أدقق في كلّ الجرائد القديمة المكدسة أرضاً في مكتب زوجي, والتي يحضرها كل يوم بحكم وظيفته, فتبقى ملقاة هنا أرضاً قبل أن يضعها بنفسه خارج مكتبه.
رحت أقلب صفحات السينما في كلّ الأعداد التي صادفتني. وكل مرّة, كنت أعثر على ذلك الفيلم معروضاً في القاعة نفسها.
آخر جريدة أوصلتني إلى ما قبل الشهر والنصف, وهو ما جعلني أستنتج أنّ عرضه قد يعود إلى بداية الشهرين الماضيين, كما جاء على لسان ذلك الرجل. وهو أمر فاجأني, إلى حدّ إذهالي. فأنا لا أعرف هذه القاعة. ولم أسمع بهذا الفيلم. وكيف لي بالتالي أن أعرف أنه يعرض منذ شهرين هناك, وأن إحدى فترات عرضه تكون في الساعة الرابعة, كما تؤكد الجريدة أيضاً؟

مفاجأة الاكتشاف جردتني من منطق الأجوبة. فأنا لم أعد أدري إن كان نزل عليّ وحيٌ ما, لكتابة أشياء لا علم لي بها.وهل يجب أن أحذر هذه القصة التي جاءت مخيفة في تفاصيلها, أم هل أجد فيها إشارة من القدر ووعداً بلقاء ما؟

كلّ أسئلتي كانت تدور حول ذلك الرجل. لماذا يعنيني أمره إلى هذا الحد؟
ولماذا يثير فيّ هذا القدر من الأسئلة؟ وهل الأسئلة حقاً.. توّرطٌ عشقيّ؟
أهو الذي قال هذا.. أم أنا؟
هو الذي لم يطرح سوى سؤال واحد "هل أراكِ غداً؟"
سؤال طرحه بالتحديد عليها هي. ولكن كيف لي أن أخلف, أنا الكاتبة موعداً كهذا. ألست أنا التي أردته.. وحددته. ولا بد أن أكون هناك. كي أختلق لهما أحاديث ومواعيد وخلافات, ولقاءات جميلة وخيبات, ومتعة ودهشة.. ونهايات!
إنه امتياز ينفرد به الروائي, متوهماً أنه يمتلك العالم بالوكالة. فيعبث بأقدرا كائنات حبرية, قبل أن يغلق دفاتره, ويصبح بدوره دمية مشدودة إلى الأعلى بخيوط لا مرئية. أو تحركه كغيره في المسرح الشاسع للحياة.. يد القدر!
وقتها عبثًا يسبق مشاريعه قائلاً "إن شاء الله". وكأنه يمنح بذلك رشوة للأقدار, كي تكافئه بتحقيق أحلامه.
أذكر, ذلك الذي كنت أقول له تعلّم أن تقول "إن شاء الله". سألته يوماً "متى نلتقي؟" كان يعدّ حقيبة حزن على عجل. فأجابني على طريقته ببيت لمحمود درويش:
"نلتقي بعد قليل
بعد عام... بعد عامين وجيل"
ولم نلتق بعد ذلك أبداً. نسي كلانا يومها أن يقول "إن شاء الله"! ألهذا م يعد؟ أم ترى لأنه ذهب ليدفن أباه بنوايا انتحارية, في ذلك البلد الذي يقتل الشعراء.. ويكثر من المهرجانات الشعرية, فدفن جثة مشوهة جواره.
وكان قبلها يقول.. إنه سيغادر الشعر, ويجرب نفسه في رواية!


أتراهما كانا سيلتقيان حقا؟ وبماذا تراها كانت ستجيبه لو أنني تركت لها حرية الجواب؟
أتوقع أنها كانت سترد عليه بإحدى صيغها الضبابية. كأن تقول له "ربما نلتقي", وهي تدري تماما أنها تعني "طبعا".. وتماديا في المراوغة ربما قالت "قد يحدث ذلك" لِتُوهِمَهُ أن ذلك "لن يحدث".
وعندها سيرفع التحدي, ويجيبها "قطعا.. ليس هذا بالمهم" ويضع السماعة مغلقا أزرار معطفه. مرتديا صمته من جديد.

الصمت لا يزعجني. وإنما أكره الرجال الذين, في صمتهم المطبق, يشبهون أولئك الذين يغلقون قمصانهم من الزر الأول حتى الزر الأخير كباب كثير الأقفال والمفاتيح, بنيّة إقناعك بأهميتهم.
إنه باب لا يوحي إلي بالطمأنينة. وما قد يخفي صاحبه خلف ذلك الباب المصفح من ممتلكات, لا يبهرني بقدر ما يفضح لي هوس صاحبه وحداثة ثروته. فالأغنياء الحقيقيّون, ينسون دائماً إغلاق نافذة, أو خزانة في قصرهم..
أنما المفاتيح هوس الفقراء, أو أولئك الذين يخافون إن فتحوا فمهم.. أن يفقدوا وهم الآخرين بهم!

الجميل في هذا الرجل أنّه, ككل أثرياء الحلم, يترك في أعلى معطفه السميك للصمت, زرا واحدا مفتوحا للوهم, كباب موارب وربما كان هذا بالذات هو الشيء الأكثر إغراءً فيه. فهو لا يصمت تماما, ولا يتكلم إلا بقدر كسر الصمت بكلمات قليلة, تختصر اللغة.
إنه بطل جاهز لرواية. يمنحك نفسه بالتقسيط.
وهل الرواية سوى المسافة بين الزر الأول المفتوح, وآخر زر قد يبقى كذلك؟
ولكن, أيكون هذا الرجل غير موجود سوى في مخيلتي؟ وإذن ما تفسير كلّ تلك التفاصيل المذهلة, التي لم أكن قد سمعت بها قبل كتابة تلك القصة؟
وبرغم كوني لا أصدق أولئك الكتّاب الذين يدّعون أن ثمة قوّة خارقة تملي عليهم ما يكتبون, ولا أعتقد أيضا, أن تكون هذه التفاصيل مجتمعة, هي من حكم المصادفة.

أتراني وقعت تحت إغراء الكتابة وفتنتها لأصدق أن هذا الرجل هو الذي أملى عليّ موعداً.. كتبته بيدي؟
أحب تلك اللحظة التي يفاجئني فيها رجل. حتى عندما لا يشبه بعد ذلك وهمي به.
إن كل قصة مع رجل ترسو بك على شاطئ المفاجأة. أما إذا كان هذا الرجل زوجاً, فستوصلك القصة حتما إلى سلسلة من المفاجآت.
في البدء, نحن ندري مع من تزوجنا. ثمّ كما تقدم بن الزواج, لا نعود ندري مع من نحن نعيش!

الأكثر غموضا ومفاجأة, ذلك الجيل من الرجال, الذين ينتمون إلى حروب طويلة النَفَس, ابتلعت طفولتهم وشبابهم دون رحمة, وحوّلتهم رجالاً عنيفين, وسريعي العطب في آن واحد, عاطفيين وجبابرة في الوقت نفسه.

أولئك يخفون داخلهم دائما رجلا آخر, لا أحد يدري متى يستيقظ, وطفلا لم يكونوا على أيامه, قد اخترعوا لعبة "الليغو", ليتمكن ككل الأطفال, من التدرب على تركيب قطعها حسب مزاجه الطفوليّ, ثم فكها من جديد.

أتوقع أن يكون زوجي قد ولد بمزاج عسكري, وحمل السلاح قبل أن يحمل أي شيء. فأين العجب في أن يكسرني أيضا دون قصد, تماما, كما أغراني قبل ذلك بسنوات, دون جهد؟ أليست السلطة كالثراء, تجعلنا نبدو أجمل وأشهى؟
أوليست النساء كالشعوب, يقعن دائما تحت فتنة البذلة العسكرية وسطوتها. قبل أن ينتبهن إلى أنهن بانبهارهن بها, قد صنعن قوّتها؟

صحيح أنه فعل ذلك تدريجيّاً, وبكثير من اللياقة, وربما بكثير من التخطيط, وأنني كنت أمضي نحو عبوديتي بمشيئتي, ومن الأرجح.. دون انتباه. سعيدة بسكينتي أو استكانتي إليه. تاركة له الدور الأجمل. دور الرجولة التي تأمر, وتقرر وتطالب وتحمي وتدفع وتتمادى.
كنت أجد في تصرفه شيئا من الأبوة التي حرمت من سلطتها. بينما يجد هو في تسلطه استمرارية لمهامه الوظيفية, خارج البيت.

أذكر.. بدأت علاقتنا بانبهار متبادل وبعنف التحدي المستتر.
كان لا بد أن أتوقع أن العلاقات العنيفة هي علاقات قصيرة بحكم شراستها. وأنه لا يمكن أن نضع كل شيء في علاقة؛ لا يمكن أن نكون أزواجا وأصدقاء وآباء وأحبة ورموزا.

أما هو, فمن الأرجح أنه كان في هذا المجال أيضا, يفكر بمنطق العسكر الذين, عندما يصل أحدهم على السلطة, يصر على شغل كل المناصب الرئيسية في الدولة, وكل الحقائب الوزارية الهامة, معتقدا أن لا احد غيره جدير بأن يشغلها,بل وأن وجود شخص غيره فيها هو احتمال دائم للإطاحة به.
ولهذا لم يترك في حياتي مساحة حرية, يمكن أن يتسلل منها أحد. فقد سطا على كل الكراسي, دون أن يشغل أحدها بجدارة.
تنبهت بعد ذلك, إلى أن أبوته هي التي كانت تعني لي الأكثر. وأن مهامه السياسية ورتبته العسكرية لم تكن تعنيني بوجاهتها, وإنما لكونها استمرارا لذاكرة نضالية نشأت عليها, وعنفوان جزائر حلمت بها.

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Palestinian M.B
عضو جديد
عضو جديد
avatar

عدد المساهمات : 30
تاريخ التسجيل : 20/11/2009
العمر : 22
ماهي بلدك : فلسطين

مُساهمةموضوع: رد: رواية فوضــــــــــــــــي الحواس   الجمعة نوفمبر 20, 2009 9:33 am


 رواية فوضــــــــــــــــي الحواس  منتديات المافياKSA

فجأة خطر ببالي أن أبحث في الجريدة, إن كانت هذه القاعة موجودة حقاً.
وهكذا رحت أفتّش في الصفحة المخصصة لبرامج التلفزيون والعروض السينمائية, مدققة في أٍماء قاعات السينما, الواحدة تلو الأخرى, وإذ بي أعثر على قاعة "أولمبيك" حيث يعرض فيلم أميركيّ بعنوان "Dead Poets Society", من الأرجح أنّه يعرض بنسخته الفرنسية؛ فلا أحد هنا يفهم الإنكليزية.
حاولت أن أجد ترجمة لهذا العنوان, عسى ذلك يفك بعض لغزه. فعثرت على عنوان قد يكون: "حلقة الشعراء الذين اختفوا".
ولأنني لم أصدق تماما أن يكون هذا هو الفيلم الذي يعنيه ذلك الرجل, فقد رحت أدقق في كلّ الجرائد القديمة المكدسة أرضاً في مكتب زوجي, والتي يحضرها كل يوم بحكم وظيفته, فتبقى ملقاة هنا أرضاً قبل أن يضعها بنفسه خارج مكتبه.
رحت أقلب صفحات السينما في كلّ الأعداد التي صادفتني. وكل مرّة, كنت أعثر على ذلك الفيلم معروضاً في القاعة نفسها.
آخر جريدة أوصلتني إلى ما قبل الشهر والنصف, وهو ما جعلني أستنتج أنّ عرضه قد يعود إلى بداية الشهرين الماضيين, كما جاء على لسان ذلك الرجل. وهو أمر فاجأني, إلى حدّ إذهالي. فأنا لا أعرف هذه القاعة. ولم أسمع بهذا الفيلم. وكيف لي بالتالي أن أعرف أنه يعرض منذ شهرين هناك, وأن إحدى فترات عرضه تكون في الساعة الرابعة, كما تؤكد الجريدة أيضاً؟

مفاجأة الاكتشاف جردتني من منطق الأجوبة. فأنا لم أعد أدري إن كان نزل عليّ وحيٌ ما, لكتابة أشياء لا علم لي بها.وهل يجب أن أحذر هذه القصة التي جاءت مخيفة في تفاصيلها, أم هل أجد فيها إشارة من القدر ووعداً بلقاء ما؟

كلّ أسئلتي كانت تدور حول ذلك الرجل. لماذا يعنيني أمره إلى هذا الحد؟
ولماذا يثير فيّ هذا القدر من الأسئلة؟ وهل الأسئلة حقاً.. توّرطٌ عشقيّ؟
أهو الذي قال هذا.. أم أنا؟
هو الذي لم يطرح سوى سؤال واحد "هل أراكِ غداً؟"
سؤال طرحه بالتحديد عليها هي. ولكن كيف لي أن أخلف, أنا الكاتبة موعداً كهذا. ألست أنا التي أردته.. وحددته. ولا بد أن أكون هناك. كي أختلق لهما أحاديث ومواعيد وخلافات, ولقاءات جميلة وخيبات, ومتعة ودهشة.. ونهايات!
إنه امتياز ينفرد به الروائي, متوهماً أنه يمتلك العالم بالوكالة. فيعبث بأقدرا كائنات حبرية, قبل أن يغلق دفاتره, ويصبح بدوره دمية مشدودة إلى الأعلى بخيوط لا مرئية. أو تحركه كغيره في المسرح الشاسع للحياة.. يد القدر!
وقتها عبثًا يسبق مشاريعه قائلاً "إن شاء الله". وكأنه يمنح بذلك رشوة للأقدار, كي تكافئه بتحقيق أحلامه.
أذكر, ذلك الذي كنت أقول له تعلّم أن تقول "إن شاء الله". سألته يوماً "متى نلتقي؟" كان يعدّ حقيبة حزن على عجل. فأجابني على طريقته ببيت لمحمود درويش:
"نلتقي بعد قليل
بعد عام... بعد عامين وجيل"
ولم نلتق بعد ذلك أبداً. نسي كلانا يومها أن يقول "إن شاء الله"! ألهذا م يعد؟ أم ترى لأنه ذهب ليدفن أباه بنوايا انتحارية, في ذلك البلد الذي يقتل الشعراء.. ويكثر من المهرجانات الشعرية, فدفن جثة مشوهة جواره.
وكان قبلها يقول.. إنه سيغادر الشعر, ويجرب نفسه في رواية!


أتراهما كانا سيلتقيان حقا؟ وبماذا تراها كانت ستجيبه لو أنني تركت لها حرية الجواب؟
أتوقع أنها كانت سترد عليه بإحدى صيغها الضبابية. كأن تقول له "ربما نلتقي", وهي تدري تماما أنها تعني "طبعا".. وتماديا في المراوغة ربما قالت "قد يحدث ذلك" لِتُوهِمَهُ أن ذلك "لن يحدث".
وعندها سيرفع التحدي, ويجيبها "قطعا.. ليس هذا بالمهم" ويضع السماعة مغلقا أزرار معطفه. مرتديا صمته من جديد.

الصمت لا يزعجني. وإنما أكره الرجال الذين, في صمتهم المطبق, يشبهون أولئك الذين يغلقون قمصانهم من الزر الأول حتى الزر الأخير كباب كثير الأقفال والمفاتيح, بنيّة إقناعك بأهميتهم.
إنه باب لا يوحي إلي بالطمأنينة. وما قد يخفي صاحبه خلف ذلك الباب المصفح من ممتلكات, لا يبهرني بقدر ما يفضح لي هوس صاحبه وحداثة ثروته. فالأغنياء الحقيقيّون, ينسون دائماً إغلاق نافذة, أو خزانة في قصرهم..
أنما المفاتيح هوس الفقراء, أو أولئك الذين يخافون إن فتحوا فمهم.. أن يفقدوا وهم الآخرين بهم!

الجميل في هذا الرجل أنّه, ككل أثرياء الحلم, يترك في أعلى معطفه السميك للصمت, زرا واحدا مفتوحا للوهم, كباب موارب وربما كان هذا بالذات هو الشيء الأكثر إغراءً فيه. فهو لا يصمت تماما, ولا يتكلم إلا بقدر كسر الصمت بكلمات قليلة, تختصر اللغة.
إنه بطل جاهز لرواية. يمنحك نفسه بالتقسيط.
وهل الرواية سوى المسافة بين الزر الأول المفتوح, وآخر زر قد يبقى كذلك؟
ولكن, أيكون هذا الرجل غير موجود سوى في مخيلتي؟ وإذن ما تفسير كلّ تلك التفاصيل المذهلة, التي لم أكن قد سمعت بها قبل كتابة تلك القصة؟
وبرغم كوني لا أصدق أولئك الكتّاب الذين يدّعون أن ثمة قوّة خارقة تملي عليهم ما يكتبون, ولا أعتقد أيضا, أن تكون هذه التفاصيل مجتمعة, هي من حكم المصادفة.

أتراني وقعت تحت إغراء الكتابة وفتنتها لأصدق أن هذا الرجل هو الذي أملى عليّ موعداً.. كتبته بيدي؟
أحب تلك اللحظة التي يفاجئني فيها رجل. حتى عندما لا يشبه بعد ذلك وهمي به.
إن كل قصة مع رجل ترسو بك على شاطئ المفاجأة. أما إذا كان هذا الرجل زوجاً, فستوصلك القصة حتما إلى سلسلة من المفاجآت.
في البدء, نحن ندري مع من تزوجنا. ثمّ كما تقدم بن الزواج, لا نعود ندري مع من نحن نعيش!

الأكثر غموضا ومفاجأة, ذلك الجيل من الرجال, الذين ينتمون إلى حروب طويلة النَفَس, ابتلعت طفولتهم وشبابهم دون رحمة, وحوّلتهم رجالاً عنيفين, وسريعي العطب في آن واحد, عاطفيين وجبابرة في الوقت نفسه.

أولئك يخفون داخلهم دائما رجلا آخر, لا أحد يدري متى يستيقظ, وطفلا لم يكونوا على أيامه, قد اخترعوا لعبة "الليغو", ليتمكن ككل الأطفال, من التدرب على تركيب قطعها حسب مزاجه الطفوليّ, ثم فكها من جديد.

أتوقع أن يكون زوجي قد ولد بمزاج عسكري, وحمل السلاح قبل أن يحمل أي شيء. فأين العجب في أن يكسرني أيضا دون قصد, تماما, كما أغراني قبل ذلك بسنوات, دون جهد؟ أليست السلطة كالثراء, تجعلنا نبدو أجمل وأشهى؟
أوليست النساء كالشعوب, يقعن دائما تحت فتنة البذلة العسكرية وسطوتها. قبل أن ينتبهن إلى أنهن بانبهارهن بها, قد صنعن قوّتها؟

صحيح أنه فعل ذلك تدريجيّاً, وبكثير من اللياقة, وربما بكثير من التخطيط, وأنني كنت أمضي نحو عبوديتي بمشيئتي, ومن الأرجح.. دون انتباه. سعيدة بسكينتي أو استكانتي إليه. تاركة له الدور الأجمل. دور الرجولة التي تأمر, وتقرر وتطالب وتحمي وتدفع وتتمادى.
كنت أجد في تصرفه شيئا من الأبوة التي حرمت من سلطتها. بينما يجد هو في تسلطه استمرارية لمهامه الوظيفية, خارج البيت.

أذكر.. بدأت علاقتنا بانبهار متبادل وبعنف التحدي المستتر.
كان لا بد أن أتوقع أن العلاقات العنيفة هي علاقات قصيرة بحكم شراستها. وأنه لا يمكن أن نضع كل شيء في علاقة؛ لا يمكن أن نكون أزواجا وأصدقاء وآباء وأحبة ورموزا.

أما هو, فمن الأرجح أنه كان في هذا المجال أيضا, يفكر بمنطق العسكر الذين, عندما يصل أحدهم على السلطة, يصر على شغل كل المناصب الرئيسية في الدولة, وكل الحقائب الوزارية الهامة, معتقدا أن لا احد غيره جدير بأن يشغلها,بل وأن وجود شخص غيره فيها هو احتمال دائم للإطاحة به.
ولهذا لم يترك في حياتي مساحة حرية, يمكن أن يتسلل منها أحد. فقد سطا على كل الكراسي, دون أن يشغل أحدها بجدارة.
تنبهت بعد ذلك, إلى أن أبوته هي التي كانت تعني لي الأكثر. وأن مهامه السياسية ورتبته العسكرية لم تكن تعنيني بوجاهتها, وإنما لكونها استمرارا لذاكرة نضالية نشأت عليها, وعنفوان جزائر حلمت بها.

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Palestinian M.B
عضو جديد
عضو جديد
avatar

عدد المساهمات : 30
تاريخ التسجيل : 20/11/2009
العمر : 22
ماهي بلدك : فلسطين

مُساهمةموضوع: رد: رواية فوضــــــــــــــــي الحواس   الجمعة نوفمبر 20, 2009 9:34 am


 رواية فوضــــــــــــــــي الحواس  منتديات المافياKSA
كنت أرى في قامته الوطن, بقوته وشموخه. وفي جسده الذي عرف الجوع والخوف والبرد, خلال سنوات التحرير, ما يبرر اشتهائي له.ز واحتفائي به إكراما للذاكرة.

كم مر من الوقت, قبل أن أكتشف حماقة خلطي عقدة الماضي.. بالواقع المضاد.
..تماما, كخلطي الآن, بين وهم الكتابة.. والحياة, وإصراري على الذهاب على ذلك الموعد الذي أقنعت نفسي عبثا بأنني لست معنية به, وأنه سيتم بين كائنات حبرية, لا يحدث أن تغادر عالم الورق؟

ورغم ذلك أمضي..
دون أن أدري أن الكتابة, التي هربت إليها من الحياة, ـاخذ بي منحىً انحرافيا نحوها, وتزج بي في قصةٍ ستصبح, صفحة بعد أخرى, قصتّي.

دوما
بين الرّغبات الأبدية الجارفة.. والأقدار المعاكسة.. كان قدري.
وكان الحب يأتي , متسللاً إليّ, من باب نصف مفتوح, وقلب نصف مغلق.
أكنت أنتظره دون اهتمام, تاركة له الباب موارباً. متسليّة بإغلاقه نوافذ المنطق؟
قبل الحب بقليل, في منتهى الالتباس, تجيء أعراض حبّ أعرفها. وأنا الساكنة في قلب متصدع الجدران, لم يصبني يوماً, هلعٌ من وَلَعٍ مقبل كإعصار.
كنت أستسلم لتلك الأعاصير التي تغيّر أسماءها كلّ مرة, وتأتي لتقلب كلّ شيء داخليّ.. وتمضي بذلك القدر الجميل من الدمار.

دوماً..
كنت أحبهم. أولئك العشاق الذين يزجون بأنفسهم في ممرات الحب الضيقة, فيتعثرون حيث حلّوا, بقصة حب وضعتها الحياة في طريقهم, بعد أن يكونوا قد حشروا أنفسهم بين الممكن والمستحيل.
أولئك الذين يعيشون داخل زوبعة الحبّ التي لا تهدأ, مأخوذين بعواصف الشغف, مذهولين أمام الحرائق التي مقابل أن تضيء أياما في حياتهم, تلتهم كل شيء حولهم, جاهزين تماما.. لتلك اللّحظات المضيئة خلسة, والتي ستخلف داخلهم عندما تنطفئ رماد انطفائهم الحتميّ.
أحبّهم.. وربّما كنت أشبههم.
ولكن هذه المرّة, توقعت أنني أذكى من أن أتعثر في قصة حب وضعها الأدب في طريقي. لا ليختبر قدرتي على الكتابة, وإنما ليختبر جرأتي على أخذ الكتابة مأخذ الحياة.
كنت في الواقع, مأخوذة بمقولة لأندريه جيد "إنّ أجمل الأشياء هي التي يقترحها الجنون ويكتبها العقل".
مأخوذة بها إلى درجة أنني , عندما اقترح علي الجنون أن اذهب إلى موعد ضربه بطل قصتي لامرأة أخرى, أخذت اقتراحه مأخذ الجد, وقررت أن أذهب بذريعة كتابة شيء جميل.

كنت مرتبكة لعدة ساعات قبل الموعد, ذلك الارتباك الذي يسبق لقاءً لا ندري ماذا ينتظرنا فيه, ولكننا نصر على الذهاب إليه, لأن شيئا ما يأمرنا بأن نذهب.
صحيح أنه كان بي فضول لمعرفة ذلك الرجل, وفضول آخر لمشاهدة ذلك الفيلم. فقد يكون الطريق الأقصر لفهمه.. ولفهم إصراره على مشاهدته.
ولكن كنت أعي تماما أنني ارتكب حماقة غير مضمونة العواقب, بذهابي بمفردي لمشاهدة فيلم, في مدينة مثل قسنطينة, لا ترتاد فيها النساء قاعات السينما. فما بالك إذا كانت هذه المرأة زوجة أحد كبار ضبّاط المدينة, وتصل إلى السينما في سيّارة رسمية, لتجد في انتظارها جيشا من الرجال اللذين لا شغل لهم سوى التحرش بأنثى, على قدر كاف من الحرية أو من الجنون, لتجلس بمفردها في قاعة سينما.

ولهذا تعمدت أن أصل متأخرة عن الفيلم بربع ساعة, كي لا أقف في طابور الانتظار, أو أدخل القاعة على مرأى من الناس.
... تماما كما طلبت من السائق أن يعود قبل موعد انتهاء الفيلم بربع ساعة, تفاديا لتلك الأضواء التي ترافق نهاية كل عرض, وتجعل الناس يتفحصون بعضهم بعضا بفضول كثيرا ما أربكني.
ولأنني وصلت بعد فترة من بدء الفيلم كان لي حرية اختيار مكاني, وهو الأمر الذي مكنني من الوقوف لحظات وإلقاء نظرة على الجو العام للقاعة التي بدت لي نصف فارغة.
كما توقعت, كان الحضور جميعه رجالا. ومن الأرجح أن يكون من الشبان الذين جاؤوا لإهدار الوقت في قاعة السينما بدل إهداره وهم متكئون على جدار.
وحدهما رجل وامرأة, كانا يجلسان على انفراد في آخر القاعة ويبدو أنهما كانا هنا لسبب آخر.
استنتجت أنهما "هما" فاخترت لي مكانا خلفهما تماما, وكأنني أحتمي بهما, أو أتجسس عليهما.
أتوقع أن وجودي أزعجهما. ولكنهما وجدا في أنوثتي ما يبعد الرعب عنهما.
ما أتعس العشاق في هذه المدينة التي يعيش فيها الحب ممسكا أنفاسه, جالسا في عتمة الشبهات على كراسيّ مزقتها بسكين أيدٍ لم تلامس يوماً جسد امرأة.
أنشغل عنهما بمتابعة الفيلم الذي وصلته, مع وصول البطل إلى الصف في أول الموسم الدراسي.

إنه أستاذ تجاوز سنّ الأربعين ببضع خيبات. دائم السخرية بشيء من الرومنطيقية وربما الحزن المستتر. لقد عاد بعد جيل وأكثر إلى المعهد الذي درس فيه, ليعمل مدرسا في مادة الأدب. ومن الواضح أنه جاء لينقذ الطلبة من الأخطاء التي سبق أن تعلمها على هذه المقاعد نفسها, أو تلك القناعات التي تربى عليها.. وتكفلت الحياة بتكذيبها بعد ذلك.
يدخل الصف بشيء من الاستفزاز المرح, وهو يصفر أما دهشة الطلبة الذين لم يتعودوا تصرفا كهذا, في مؤسسة دراسية صارمة, ومشهورة بمحافظتها على التقاليد العريقة.

يتجه مباشرة, نحو جدار علقت عليه صورة تذكارية, بالأسود والأبيض, لطلبة شغلوا هذه المقاعد الدراسية نفسها, فوجا بعد آخر, وجيلا بعد آخر, على مدى قرن كامل.
هاهو يشير بيده إلى الطلبة أن يلحقوا به, ويطلب منهم أن يتأملوا تلك الصور التي لم تستوقفهم قبل اليوم, ويدققوا في وجوه أصحابها, المجتمعة في صور جماعية للذكرى.
يلحق به الطلبة مندهشين, فيبادرهم وكأنه يواصل حديثا سابقا, أو كأنه يقد لهم نفسه, كواحد سيمر الآخرون أمام صورته.. على أحد جدران هذا المعهد دون انتباه:
"كل اللذين ترونهم على هذه الصور, بهيئاتهم الرياضية التي تشبه هيئاتكم, وعنفوان شبابهم الذي يشبه عنفوانكم, بابتسامتهم العريضة, وطموحاتهم الكبيرة, ومشاريعهم وأحلامهم وثقتهم المطلقة في الحياة, كما هي الآن ثقتكم جميعهم الآن.. عظام تحت قبور فاخرة. لقد ماتوا كما ستموتون!".
وقبل أن يستوعب الطلبة هذا الكلام الغريب, لأستاذ يرونه لأول مرة, يواصل:
"كل واحد فيكم هنا, ذات يوم سيتوقف فيه كل شيء ويبرد جسده ثم تأكله الديدان وكأنه لم يكن.
"انظروا.. إنهم ينظرون إليكم الآن, كأنهم في صورهم هذه, يقولون لكم كلاما لا بد أن تنصتوا إليه. تعالوا.. اقتربوا.. حاولوا أن تلتقطوا كلماتهم.."
يقترب الطلبة مذهولين من جدار تغطيه الصور العتيقة, فيأتيهم صوت الأستاذ من الخلف. وكأنه يتحدث على طريقة المهرجين الذين يحركون دمية بيدهم, وهم يتكلمون على لسانها بصوت باطني, دون أن يحركوا شفاههم.
"استفيدوا من اليوم الحاضر.. لتكن حياتكم مذهلة.. خارقة للعادة. اسطوا على الحياة.. امتصوا نخاعها كل يوم مادام ذلك ممكنا. فذات يوم لن تكونوا شيئا.. سترحلون وكأنكم لم تأتوا.."
ثم يواصل بصوت عاديٍّ:
"كان هذا درسكم الأول. بإمكانكم الآن أن تعودوا إلى مقاعدكم.. وتفتحوا كتاب الأدب.."
لم يمنعني انشغالي بمتابعة الفيلم, من التفكير في الرجل والمرأة الجالسين أمامي, واللذين جئت أصلا لمتابعتهما.
كانا صامتين. لا أدري أكانا حقا مشغولين بمتابعة الفيلم, ولكنهما لم يتبادلا أيّة كلمة.
ورغم ذلك, كنت أشعر كأن تعليمات الأستاذ ونصائحه, قد تركت تأثيرا فيهما. وبدا لي كأن اليد اليمنى للمرأة, كانت تتحرك ببطء نحو ذلك الرجل, وتتقدم نحوه بإصرار.
وهو ما شجعني على الاعتقاد بأنها هي المرأة "ذاتها". مادامت ليست معنية بهذا الفيلم بقدر ما هي معنية بالتحرش بهذا الرجل.
من الواضح أنها مشتاقة إليه. وإلا فماذا عدا الحب يمكن أن يأتي بها إلى هنا, لتكون الأنثى الوحيدة, في قاعة كهذه, لمشاهدة فيلم كهذا؟
شعرت بشيء من الشفقة عليها. وربما بشيء من الشفقة على نفسي أيضا. مادمنا موجودتين هنا من أجل الرجل نفسه.

هذا الرجل الذي يبدوا لي من الخلف, يقارب الأربعين, بشعر مرتب, وهيأة محترمة مقارنة ب"بني عيان" وكل الذين لا يوحي شكلهم بالأمان في هذه القاعة, من الأرجح أنه "هو". إنه يرتدي معطفا, يقف الآن ليخلعه, ويضعه على ركبتيه, بطريقة يغطي بها ركبتي تلك المرأة أيضا. ولن يكون من الصعب بعد الآن أن أتصور ما سيلي ذلك!
في هذه اللحظة, حضر رجل ليأخذ مكانه على الكرسي المجاور لي تماما. وهو ما زاد في إزعاجي وجعلني أندم على حماقة مجيئي إلى هذه القاعة, معرضة نفسي للشبهات. فلا أحد هنا سيصدق أو سيفهم أن كاتبة جاء بها الفضول, وأرادت أن تتلصص على عاشقين, اعتقدت أن من حقها أن تندس بينهما, لأنها خلقتهما!

هما الآن يتبادلان اللمسات المشبوهة على مرأى منها.
وهي تحاول أن تقنع نفسها بأنها كاتبة, وكاتبة فقط, وأن الذي يحدث أمامها يعنيها لفهم أبطال روايتها, لا أكثر.
وهي تدري أنها تكذب, وأن الذي يعنيها هو هذا الرجل, صاحب المعطف, الذي جاء بها إلى هنا لتعذيبها بمغازلة امرأة أخرى في حضرتها لا أكثر, بعد أن أغراها كامرأة بشيء غير معلن لا اسم له وأوهما ككاتبة بأنه يخفي سرا ما تحت معطف صمته, شيئا يبرر هذه المجازفة.
ها قد خلع معطفه ليس لها ولا بسببها. ولكن ليصنع منه غطاءً يلامس تحته جسد امرأة جالسة إلى جواره!
إنه في النهاية, ينتمي السلالة الأسوأ من الرجال, تلك التي تخفي تحت رصانتها ووقارها, كل عقد العالم وقذارته.
كأولئك الذين يجلسون إلى جوار زوجاتهم, بهيبة وصمت. ثم يتركون لأقدامهم حرية مد حديث بذيء تحت الطاولة!

ليس هذا الاكتشاف هو الذي صدمني, بقدر ما أزعجني غبائي في هذه القصة التي تصرفت فيها منذ البدء بحماقة مثالية. واختلقت مواقف وحوارات ومواعيد, فقط كي أعيش في رومانسية الحب الواهمة.

حتى إنني صدقت أن بإمكان رجل أن يغادر دفاتري, ويضرب لي موعدا خارج الورق.
من الواضح الآن أن ذلك كان ضربا من الجنون.
في لحظة من الخيبة كدت أهم بمغادرة القاعة, والهروب من هذا الجو الموبوء الذي وضعت نفسي فيه, لولا أنني تذكرت أن السائق لن يحضر قبل انقضاء ساعة. وأنني لم أتمكن من متابعة الفيلم الذي تقول لافتة عند مدخل القاعة إنه حصل على عدة جوائز عالمية.
وهكذا عدت لأتابع الفيلم, محاولة تجاهل ما يحدث حولي.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Palestinian M.B
عضو جديد
عضو جديد
avatar

عدد المساهمات : 30
تاريخ التسجيل : 20/11/2009
العمر : 22
ماهي بلدك : فلسطين

مُساهمةموضوع: رد: رواية فوضــــــــــــــــي الحواس   الجمعة نوفمبر 20, 2009 9:35 am


 رواية فوضــــــــــــــــي الحواس  منتديات المافياKSA
كان الاستاذ يلقي درسا في كيفية فهم الشعر, حسب ما جاء في مقدمة الكتاب المعتمد للتدريس. والتي كتبها أحد كبار المراجع المختصة في النقد. شارحا فيها كيف يمكن تقويم قصيدة, ومقارنتها بأخرى, معتمدين على خط عمودي وآخر أفقي, يلتقيان ليشكلا زاوية مستقيمة, على كل خط فيها درجات نقيس بها عموديا المعنى, وأفقيا المبنى وهكذا, بإمكاننا أن نكتشف ضعف الشاعر أو قوته بين قصيدة وأخرى ومقارنته بشاعر أو بآخر , حسب مقاييس حسابية دقيقة.

وبينما كان الطلبة منهمكين في رسم خطوط عمودية وأفقية على دفاترهم, ناقلين ما يكتبه الاستاذ على السبورة, إذ به يتوقف فجأة ويمحو كل شيء, ويفاجئهم قائلا:
- طبعا.. ليس هذا صحيحا. لا يمكن أن نقيس الشعر طولا وعرضا وكأننا نقيس أنابيب معدنية..
اندهاشنا, انبهارنا, انفعالنا, هو الذي يقيس الشعر. أمام قصيدة, النسا يغمى عليهن, والآلهة تولد. والشعراء يبكون كأطفال.
من يقيس دموعنا, فرحنا, وكل ما يمكن أن تفعله بنا قصيدة؟
أتدرون لماذا نقرأ أو نكتب الشعر؟ لأننا جزء من الإنسانية. كيف يمكن أن نقيس إنسانيتنا بمقاييس حسابية؟ مزَّقوا كل ما كتبتموه على دفاتركم!
يصمت قليلا ثم يضيف:
- ولا بأس أن تمزقوا أيضا هذه المقدمة!
ينظر إليه الطلبة متسائلين عن مدى جدية ما يأمرهم به. ولكن أمام إصراره, لا يملكون إلا أن يقتلعوا الصفحات الأولى من الكتاب, ليكون كتابا لا مكان فيه لشيء عدا الشعر.
أثناء ذلك, كان يمر أمامهم بسلة المهملات, طالبا بعد آخر, يجمع الأوراق الممزقة, بشيء من الغبطة التي وحده يدرك سببها.
إنه لم يعطهم درسا في فهم الشعر. وإنما درسا في فهم الحياة وشجاعة في التشكيك في كل شيء حتى ما يرونه مكتوبا في كتب مدرسية تحت توقيع اسم كبير.
وخاصة الجرأة على تمزيق كل ما يعتقدونه خاطئا, وإلقائه في سلة المهملات!

لا أدري إلى أي مدى تجاوبت القاعة مع هذا المشهد الجميل, وهل وجد فيه البعض ما يبرر مواصلة تمزيقه للكراسيّ.
أما ذلك الرجل الجالس أمامي فكان منهمكا في البحث عن قلم وورقة ما كاد يعثر عليهما, حتى راح يكتب شيئا, توقعته خاطرة يسجلها على ورقة.
لم أقاوم فضول استراق النظر إلى ما كتب, مصطنعة حركة تقربني إلى الأمام.
ماذا لو كان يكتب شيئا بنية ان أطلع عليه؟ فلقد لاحظ وجودي خلفه وتجسسي عليه.
وقبل أن ألمح على الورقة رقما, من الأرجح أنه رقم هاتفيّ, شعرت أن شيئا قد وقع مني. وتحسست أذني, وإذ به قرطي قد سقط أرضا.
انحنيت لأبحث عنه, مستعينة بشعاع ضوء قادم من الشاشة, وإذ بولاعة تشتعل على مقربة مني, ورجل ينحني ليضيء لي المكان.

فاجأني وجود هذا الرجل, الذي كدت أنسى أنه جالس جواري. وربما كان عطره, أو رائحة تبغه هو ما فاجأني الأكثر. فقد شعرت أنه يباغتني, وأن رجولته تقتحمني في تلك العتمة. وهو هنا, على بضعة أنفاس مني, يتابع بحثي عن شيء ما, دون أن يقول شيئا, وحتى دون أن يسألني عمّا كنت أبحث عنه. وكأن تلك الشعلة التي يمسكها بيده, ليست سوى لإضاءة وجهي.
رفعت عينيّ عن الأرض, متسلقة بنظرات بطيئة صدره. ثم عندما وصلت إلى وجهه, كانت عيناه مفاجأتي.
كانت لهما تلك النظرة التي أعطتها العتمة عمقاً مربكا, بقدر ما هو مُغرٍ.
لم يكن بإمكاني أن أدرك, ما لونهما بالتحديد. ولكن أدركت أنه لم يكن أن أواصل النظر إليهما.
فجأة قررت أن أكف عن البحث.
لم يعد أمر القرط يعنيني . ولا ضياعه يزعجني. كلّ الذي يشغلني نظرات هذا الرجل, أو على الأصح حضوره المربك.
أصلحت من جلستي, بعد أن قلت له بصوت خافت بضع كلمات من باب اللياقة:
- أعتذر.. لقد أزعجتك.
ولكنه أطفأ ولاّعته وقال وهو يعيدها إلى جيبه:
- قطعاً..
وعاد إلى مشاهدة الفيلم.
كلمته الفريدة شدّتني, وسمرتني في مكاني. فقد لفظها وكأنه يلفظ كلمة السر التي لا يعرفها سوانا.
ألقى بها في وجهي وكأنه يرمي إليّ ببطاقة تعريفه, بنبرة موجزة فيها شيء من الاستفزاز المهذب.. أو السخرية المستترة. ولم يضف إليها شيئا.
هل صمت كي يقنعني بحجة قاطعة, أنه رجل اللغة القاطعة؟
مذ تلك اللحظة, لم يعد بإمكاني أن أركز على أي شيء مما يحدث حولي..
الحب يجلس دائما على غير الكرسي الذي نتوقعه. تماما, بمحاذاة ما نتوقعه حباً.
وأنا التي خبرت طويلا هذه الحقيقة, كيف جلست أكثر من ساعة, جوار رجل لم أول اهتماما لوجوده. مشغولة عنه برجل آخر, يجلس أمامي. جاء دون أن يدري, متنكرا في زي الحب, فقط لأنه يرتدي معطفا ويجلس صحبة امرأة!
وهذا الذي قال "قطعا" وصمت, ماذا لو لم يكن هو؟ لو أنه قال هذه الكلمة دون تفكير؟ لو أنه جلس هنا, فقط لأنه المكان الأقرب في الصف الأخير؟ لو أن الحياة أرادت أن تسخر مني, ككاتبة, مرتين!

تساءلت دائما: ما هي نوعية المسافة التي تفصلنا عمّا نشتهي؟ أتراها تقاس بالمكان؟ أم بالوقت؟.. أم بالمستحيل؟
وأي منطق هو منطق الرّغبة؟ أيكون منطقا لغوياً أم منطقا زمنياً..
أم منطق ظرف تضعك فيه الحياة؟
وهذا الرجل الذي انتقل بكلمة واحدة, من خانة الغرباء إلى الرجل المشتهى, كيف تمكّن من التنّقل في سلم الرتب بهذه السهولة؟ ترى تواطأت معه اللغة؟ أم العتمة؟ أم هذا المكان الملتبس بين الوهم والحقيقة. بين النهار والليل. بين الحلم والواقع. بين الأدب والحياة؟
لو أنه تحدّث لساعدني بعض الشيء على فهم ما يحدث. ولكنّه لم يفتح أيّة نافذة للكلام. وظلّ مشغولاً عني بمتابعة ذلك الفيلم. دون أن يتوقف أثناء ذلك عن بثّ ذبذبات حديث يقال صمتاً, في عتمة الحواسّ.
وأنا نفسي, لم أجد معه شيئا يمكن أن يقال, وقد انطفأ معه الكلام, لتشتعل به مساحات الصمت.

لا أدري كم قضينا من الوقت على هذا النحو, هو يتابع الفيلم, وأنا أتابعه هو. أو أسترق النظر أحيانا إلى عاشقين, لم يعد أمرهما يعنيني, ولا ما يقولان يسعفني في شيء, مذ قال هذا الرجل, كلمة واحدة.. وصمت!
أثناء انشغالي به, مرّت مشاهد وأحداث, حاولت عبثاً أن أركّز عليها, غير أن أحدها استوقفني.
كان الأستاذ يشرح درساً ما. عندما راح يوضح للطلبة أنّ وجهة نظرنا في أي أمر, تختلف حسب موقعنا, والزاوية التي نقف فيها.
ولذا طلب منهم أن يأتوا صوبه, ويصعدوا الواحد تلو الآخر فوق مكتبه, كي يروا من حيث هم كيف أنّ قاعة الصف نفسها تبدو مختلفة, عندما نراها من فوق مكتب الأستاذ, من الجهة المقابلة لنا.
فالطريقة الصحيحة لفهم العالم. هي في التمرد على موقعنا الصغير فيه, والجرأة على تغيير مكاننا وتغيير وضعيتنا, حتى بالوقوف على طاولة, عوض الجلوس أمامها والإتكاء عليها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Palestinian M.B
عضو جديد
عضو جديد
avatar

عدد المساهمات : 30
تاريخ التسجيل : 20/11/2009
العمر : 22
ماهي بلدك : فلسطين

مُساهمةموضوع: رد: رواية فوضــــــــــــــــي الحواس   الجمعة نوفمبر 20, 2009 9:36 am


 رواية فوضــــــــــــــــي الحواس  منتديات المافياKSA
كان يتحدث بينما كان الطلبة يتتالون على مكتبه صعوداً ونزولاً. يستبقي بعضهم قليلاً, طالبا منهم أخذ المزيد من الوقت, للنظر إلى الأشياء من حيث هم, فينظرون إلى مقاعدهم الفارغة دونهم.. ثم ينزلون مندهشين.

وفجأة وبعد أجواء مرحة. يأخذ الفيلم منحى مأساوياً, بانتحار طالب قررّ أن يخوض تجربة مسرحية سراً, وضد مشيئة أبيه, الذي بعث به إلى هذا المعهد الراقي والباهظ التكاليف , كي يصبح طبيبا..
ولا شيء غير هذا.
يحدث ذلك في الليلة التي يقدم فيها عرضه المسرحيّ ببراعة جعلت القاعة تصفق له طويلا, بينما يحضر أبوه الذي يسمع بالأمر, ليؤنبه ويهينه أمام الجميع, ويعود به إلى البيت.
عندها اتجهت أصابع الاتّهام نحو الأستاذ الذي عدّه الأهل سبباً لانتحار ابنهم. وقررت إدارة المعهد طرده لأنه أفسد تفكير الطلبة وحرّضهم, بطريقته الغريبة في التعليم, على التمرد.
وطالبت الإدارة الطلبة بتوقيع عريضة أعدتها ضدّه, مهددة كلّ من يرفض توقيعها بعقوبة الطرد.

كانت بي رغبة في مشاهدة نهاية الفيلم, ومعرفة ما إذا كان الطلبة سيتخلون عن الأستاذ الذي علّمهم كلّ شيء بما في ذلك الدفاع عما يعتقدونه حقيقة, أم هل تراهم سينهزمون, أمام أول مساومة دنيئة تضعهم أمامها الحياة, لولا أنني تنبهت إلى مرور الوقت واقتراب نهاية الفيلم, الذي سيفاجئني الضوء بعده ويحرق شريط حلمي ويحوّلني كما في قصة سندريلا من سيدة المستحيل إلى امرأة عادية, تجلس في قاعة بائسة, جوار رجل قد لا يستحق كلّ هذه الأحاسيس الجميلة التي خلقها داخلي.

وكنت قد يئست من مباغتة هذا الرجل لي بكلمة تؤكد أو تنفي ظنوني. ولذا قررت أن أباغته بانصرافي. فوقفت وتوجهت إليه بكلمات أردتها عاديّة قدر الإمكان:
- عفواً.. هل تسمح لي بالمرور؟
وجاء جوابه كلمة واحده:
- حتماً..
ووقف ليلتصق بكرسيّه, تاركا لي ما يكفي من المسافة, ليلامس جسدي جسده من الخلف, دون أن يحتك به تماما.
مسافة ل أعد أدري أعبرتها في لحظة أم في ساعات. ولكنها المسافة الصغيرة والكبيرة في آن واحد, تلك التي عندما نقطعها, نكون قد تجاوزنا عالم الحلم, إلى عالم الحقيقة.
أكانت كافية.. ليلتصق بي عطره, ويخترق كل حواسي حدّ إيقافي بعد ذلك أشهرا, أمام رجولةٍ لن أستدل عليها سوى بعطرها؟

أعتقد أن نظراته قد رافقتني حتى مغادرتي القاعة. فقد أحسست بها تودعني بصمت, ولكن دون أن يكلف نفسه مشقة استبقائي بكلمة.. أو بسؤال.
من الأرجح أنه كان مأخوذا بنهاية الفيلم. فلحظة غادرت القاعة, كان الأستاذ يجمع أشياءه من الصف. بينما كان ينوب عنه المدير العجوز في إعطاء درس الأدب, في انتظار تعيين أستاذ جديد.
كان المدير يبدو صارما ومتحمسا لإصلاح كلّ ما أفسده هذا الأستاذ. حتى أنه طلب من التلاميذ أن يفتحوا كتبهم على الدرس الأول. لأنه يريد تعليمهم كل البرنامج الدراسي منذ بديته.
ولكنّه فوجئ بهم يملكون نسخا مختلفة عن نسخته؛ تنقصها تلك المقدمة النقدية.
فقد ذهب الأستاذ, ولكن بعد أن ألقى ألى سلة المهملات, كل ما كان يعتقده غير صحيح. ولم يعد بإمكان أحد بعد الآن أن يقنع الطلبة بشيء مزّقوه ورموه.
كان الأستاذ يراقب المشهد بصمت, وهو يغادر الصف محمّلا بأشيائه الصغيرة, على مرأى من المدير.
وعندما وقف ليلقي نظرة أخيرة على طلبته, نهض أحدهم وصعد على مكتبه ليودّعه من علوّه, دون أدنى كلام, بذلك القدر من صمت البكاء.
لحظتها.. كانت عدوى الشجاعة تنتقل إلى بقية الطلبة, الذين راحوا يصعدون الواحد بعد الآخر على طاولاتهم ليوّدعوا صمتأ ذلك الأستاذ الذي طرد من وظيفته, لأنه علمهم الوقوف على الممنوعات والنظر إلى العالم بطريقة مختلفة.
وكما في الحياة, كان هناك قلّة فضلوا البقاء جالسين على كراسي الخضوع, تملقا للمدير.
ولكنهم في انحنائهم, لم يكونوا ليستوقفوا النظر, فقد قصرت قامتهم. وسط صف أصبح كلّه على الطاولات!
كان الأستاذ يغادر الصف. وكنت أغادر القاعة, واثقة من أنني تقاسمت مع ذلك الرجل الغريب لحظة بكاء, بعدما تقاسمت معه لحظة من الرغبة الصامتة.
ولم يكن مهماً لحظتها أن تكون تلك المرأة التي جلست إلى جواره "هي" أم "أنا"؛ فقد حدثت الأشياء بيننا كما أرادها في عتمة قاعة سينما.
ما كدت أرى السائق في انتظاري عند الباب, حتى ألقيت بنفسي داخل السيارة على عجل, وكأنني أريد أن أحتفظ بتلك الأحاسيس الجميلة في مكان مغلق.
خفت على ذلك الشيء الجميل, الذي عشته بصمتٍ جوار رجل غريب أن ينطفئ داخلي بسرعة, أن يقتله أو يبعثره الشارع, بضوئه وضجيجه وفضول مارته وبؤس واقعه.
كان شيئا شبيها بتلك اللحظات التي نعيشها مع شخص لا نعرف شيئاً عنه. نتقاسم معه كرسياً مجاوراً أو مقابلا في عربة ميترو أو في مقطورة, مسافة من الزمن, دون أن نتبادل شيئاً, عدا النظرات المتواطئة. ثم ننزل مكتفين بمتعة الصمت, وبلحظات شفافة مرت بنا كشال من دانتيل الشهوة. وخلفت داخلنا كل تلك الفوضى الجميلة. وإحساسا غريبا بأننا قد لا نرى هذا الوجه بعد ذلك أبداً وأنه كان يكفي قليل من الشجاعة.. وكلمات فقط.. كي يصبح لذلك الوجه اسم وعنوان.
ولكن, ماذا نفعل بمتعة المجهول.. إذن؟
* * * *

في المساء كنت أرتب حقيبة يدي عندما عثرت على ذلك القرط الذي توقعته قد ضاع مني. كان قد وقع داخلها.
تساءلت.. أيمكن لشيء صغير إلى هذا الحد أن يغير مجرى قصة؟ وهل كان لي أن أتنبه لوجود ذلك الرجل إلى جواري – وليس أمامي- لولا تلك الحادثة الصغيرة التي دونها كنت على الأرجح, عدت إلى البيت, واثقة من حماقة مراهنتي على الأوهام؟
نعم.. أليست حياتنا في النهاية إلا نتيجة مصادفات, وتفاصيل أصغر من أن نتوقعها على قدر من الأهمية, بحيث تغير أقدرانا أو قناعاتنا؟
تفاصيل, في حجم تينك الكلمتين, اللتين على صغرهما, جعلتاني أصدق أن الأحلام الأكثر جنونا قابلة للتحقيق, وأنه لا حدود بين الكتابة والحياة.
منذ البدء, أخذت بجمالية تلك العلاقة الغريبة والمستحيلة, وبذلك الحب الافتراضي الذي قد يجمع بين رجل من حبر وامرأة من ورق, يلتقيان في تلك المنطقة المتلبسة بين الكتابة والحياة, ليكتبا معا, كتابا خارجا من الحياة وعليها في آن واحد.
أكثر من انبهاري بشخصية ذلك الرجل , ومساحة الظل فيها , كنت مبهورة بلقائنا المحتمل بين عتمة الحبر .. وعتمة الحواس.
كلما تعمقت في هذه الفكرة. ازددت تصديقا أو تورطا في مقولة أندريه جيد, واثقة تماما بكتابة قصة حب من الجمال إلى درجة لم يعد بها الجنون أية كاتبة قبلي!
الجنون.. بدايته حلم.
وحلمي الليلة, أن أسكن جسد تلك المرأة التي ذهبت نيابة عنها, لمشاهدة فيلم.
أود لو استعرت جسدها لمدة كتاب, كما تستعير النساء عادة مصاغا أو ثوبا يرتدينه لعرس.
في هذه المدينة التي تستعير فيها النساء من بعضهن بعضاً كل شيء ويتبادلن كلّ شيء, أنا التي أعرت الجميع كلّ ما في خزانتي, ماذا لو استعرت الشيء الوحيد الذي لا أملكه حقا؟
جسد امرأة غيري, وجهها, ملامحها , ذاكرتها العشقية, قصتها مع رجل يعنيني أمره, ويعنيني أكثر أن أتأكد من كوني لم أكن أحلم.. ولم أجنّ. وأنني جلست فعلاً إلى جواره لمدة ساعتين.. وأنه قال لي خلالهما كلمتين!
أود لو كان بإمكاني أن أتنكر في زيها, ليكون لي حق رؤيته في الضوء لا في العتمة.
أن نتبادل كلاما طبيعيا, لا كلمات قاطعة أو متقاطعة كتلك التي تبادلناها.
أن نجلس متقابلين, لا متجاورين, في الزاوية اليسرى أو اليمنى في أي مكان كان.
ولكن كيف؟ وأين؟
تستدرجني هذه التفاصيل إلى فكرة على قدر من الجنون, فأركض نحو مكتبي, أحضر الدفتر الأسود. وأشرع في قراءة تلك القصة, قافزة على الأسطر, لاهثة النظرات, بحثا عن شيء محدد, ما أكاد أعثر عليه, حتى أتوقف عن القراءة, بفرحة من عثر على شيء أضاعه في البحر.
أغلق الدفتر, وأتنفس الصعداء. فقد عثرت على اسم المقهى الذي كانا يلتقيان فيه.
وهذه المرة أيضا.. لم أكن قد سمعت به من قبل!

سائق الأجرة الذي طلبت منه مرافقتي إلى مقهى "الموعد", بدا عليه شيء من الاندهاش جعلني أعتقد أن لا وجود لهذا المقهى.
غير أنه سألني, وهو يراني محملة بالجرائد والأوراق, بنية التمويه, إن كنت أقصد المقهى القائم بجوار حي الفوبور. أجبته بالإيجاب, تفاديا لمزيد من الأسئلة.
ولكنه راح يمد معي حديثا عن الأوضاع الأمنية. وعن شرطي ألقوا به ليلة البارحة من الجسر, وعن فتاة ورفيقتها اختطفتا أثناء عودتهما من المدرسة.. وذبحتا.
كنت أستمع إليه وهو يسرد علي أخبار الأقارب والجيران والزبائن. وكل ما سمع به من مصائب. ولا أدري أكان من الأفضل أن أسايره بالحديث, فأشغله عن فضوله تجاهي, أم أصمت, كي لا أِجعه على تعكير مزاجي. فأنا أدري تماما أن الوضع الأمني سيئ هذه الأيام. وهو أحد أسباب زيارة زوجي للعاصمة. ولست في حاجة إلى مزيد من التفاصيل, في هذا الصباح بالذات..
كنت أعي أنني أقترف حماقة أخرى بذهابي إلى مكان لا أعرف شيئا عنه. حتى أني لست واثقة من وجود ذلك الرجل فيه. ولم أحتط, سوى في ذهابي إليه صباحا, في ساعة لا يكون مكتظا فيها بالزبائن, وهو الوقت الذي أتوقع أن يلتقي فيه اثنان, لو أنهما أرادا التلاقي في مقهى.
أما الجرائد والأوراق التي أحملها, بنية التمويه, فيبدو أنها قد تكون سببا إضافيا للمتاعب, ولن تقيني من شبهات أخرى.
في النهاية.. لم يكن لي من شيء أحتمي به في ذلك الصباح سوى مقولة للشاعر الإرلندي شيماس هيني "امش في الهواء..مخالفا لما تعتقده صحيحا!"
وهكذا رحت أمشي نحو قدري, عكس المنطق.

كان المقهى أكثر هدوءاً مما توقعت. وبرغم ذلك دخلته بارتباك واضح. فأنا لا أدري عمّن جئت أبحث, ولا أين يجب أن أجلس, ولا ماذا يجب أن أطلب, وهل أخفي أوراقي أم هل أفردها على الطاولة.. وكأنني جئت هنا لأكتب.
وقبل كل هذا.. أية زاوية يجب أن أختار للجلوس. كي لا أخطئ باختيارها قصدي.
هو قال "احجزي لنا طاولة أخرى.. في أية زاوية عدا الزاوية اليسرى.. ما عاد اليسار مكانا لنا".
أيعني أنني يجب أن أجلس في الزاوية اليمنى من المقهى وأنتظر؟ أم أجلس في الزاوية اليسرى, ترقبا لمن سيأتي ويجلس إلى يميني؟!
بدا لي المكان شاسعا. يجلس في ركن أيسر منه شاب وفتاة, مأخوذين بنقاش حول أمر ما. وفي زاويته اليمنى رجل بقميص أبيض دون ربطة عنق, منهمك في الكتابة. أمامه أوراق.. وجرائد.. وكثير من أعقاب السجائر.
جلست في الزاوية المقابلة له. محافظة على مسافة ثلاث طاولات بيننا, تحسبا للخطأ.
بدت منه التفاتة فضولية. نظر إلي بعض الشيء. وإلى الجرائد التي وضعتها على الطاولة. ثم عاد إلى الكتابة.
لم أفهم يوما, كيف يكون بإمكان البعض أن يكتب هكذا في مقهى أو في قطار. دون أي اعتبار لحميمية الكتابة.
أن تجلس لتكتب في مكان علني, كأن تمارس الحب على وقع أزيز سرير معدني. وبإمكان الجميع أن يتابعوا عن بعد, كل أوضاعك النفسية, وتقلباتك المزاجية, أمام ورقة.
حاولت أن أنشغل عن ذلك الرجل, ولكنني لم أتوقف عن متابعته.
أذهلني غيابه لحظة الكتابة. وأذهلني أكثر أنه يكتب كلاما في صيغته النهائية. دون تفكير, أو تردد, أو شطب.
كان يتوقف أحيانا. يأخذ نفسا من سيجارته, ثم يعود إلى الكتابة.
في لحظة ما, بدا لي وكأنه على وشك أن يبادرني بالكلام. فقد توقف بين جملتين. وراح ينظر إلي دون أن يقول شيئا. توقعت التفاتة تفضحه. ولكنه كان وكأنه ينظر إلى شيء وحده يراه. ولم أجد شيئا أهرب إليه من نظرته تلك, سوى فتح جريدة كانت معي.. ورحت أطالعها كيفما اتّفق.
بدت منه لحظتها, ابتسامة مربكة, لم أفهمها تماما؛ أكان يسلم علي بها؟ أم يشفق علي من وحدتي؟ أم يسخر مما أقرأ؟.. أم يقول لي فقط إنه تعرف إليّ!

ربما كانت تلك المرة الأولى التي أطلت فيها النظر إلى ملامحه.
كان على قدر من الوسامة. وكنت أشعر بمودة غامضة تجاه هذا الوجه, وضعف تجاه هذا الحضور الرجالي الصامت الذي لا يشبه في شيء التصرفات الذكورية في هذه المدينة.
إحساس ما, كان يقول لي إنني في زمن ما, أحببت رجلا يشبهه أو أنه يشبه تماما رجلا سأحبه يوما.

ورغم ذلك لم أجرؤ على القول إنه "هو" قبل أن تصدر عنه أية التفاتة تشي به.
أكان منشغلا عني حقا؟ أم كان فقط يتحرش بي بصمته. يجلس أمامي هكذا على مرمى قدر. ينتظر سؤلا يأخذنا إلى شيء قد يحضر؟
.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Palestinian M.B
عضو جديد
عضو جديد
avatar

عدد المساهمات : 30
تاريخ التسجيل : 20/11/2009
العمر : 22
ماهي بلدك : فلسطين

مُساهمةموضوع: رد: رواية فوضــــــــــــــــي الحواس   الجمعة نوفمبر 20, 2009 9:37 am


 رواية فوضــــــــــــــــي الحواس  منتديات المافياKSA
أنا المرأة الجبانة التي لم تبادر يوما رجلا بالكلام, كيف لي أنا أشاغبه, أن أشعل تلك الانارات الصغية التي ستجعله يوقف الكتابة ويقول لي شيئا؟
كم تمنيت لحظتها أن ينطق! ولكنه كان يعبث بي بكلام لا يقال إلا صمتا.. ويدخلني في حالة من الارتباك الجميل.
أثناء تفكيري, جاء النادل وسألني ماذا أريد. لا أدري لماذا أجبته على غير عادتي "قهوة".
ربما لأنسيه أنوثتي. مادام الرجال يطلبون عادة قهوة.
ذهب ولم يعد.
ولم يعنني كثيرا أنه لم يأت بقدر ماكان يعنيني قدوم رجل مميز المظهر, يرتدي قميصا اسود ونظارات شمس سوداء, في العقد الرابع من عمره. له خطى واثقة, وأناقة رجولة, في غنى عن أي جهد.
بدا على الرجل وكأنه يعرفني, أو كأنه فوجئ بوجودي هناك؛ فقد ألقى نحوي نظرة مندهشة, ثم سلاما وديا بإشارة من رأسه. ذهب للجلوس جوار ذلك الرجل, الذي توقف أخيرا عن الكتابة. وراحا يتبادلان حديثا,لم يصلني منه شيء.
داهمني شعور بالندم, وربما بالضآلة, كلما طال حديثهما, وكلما طال انتظاري لشيء لا يأتي.
عندما تنتظر أحدا, أنت لا ترى شيئا بعينه, ولا تتأمل شيئا بالتحديد؛نظراتك مبعثر كمزاجك. والذي تنتظره قد يأتي من اللامكان, ويفاجئك وسط ذهولك , وفوضى أفكارك.. وأسئلتك.
من هو هذا الرجل؟ هل تعرف إلي؟بل كيف أتعرف إليه؟وهذه المرأة التي سطوت على هويتها, ما شكلها, ما لون شعرها؟ ما هي عاداتها في السلام.. عاداتها في الكلام.. عاداتها في الانتظار؟
وهذا الرجل الذي بادرني بالسلام ومضى,أتراه يعرفني؟ أم يعرف أخي.. أو زوجي؟ أم تراه يعرفها؟ ولماذا يتأملني هكذا؟ تراني أشبهها؟ تراه كان ينتظرني؟ أم كان ينتظرها؟ أم تراه كان موجودا هنا للتحدث إلى هذا الصديق لا أكثر.. وماذا لو كان "هو"؟
أبحث في عينيه عن شيء ما, عن ذكرى.. عن شوق مؤجل, عن بقايا حزن سري, عن حب مات في هذا المكان.
ولكن عينيه المختفيتين خلف نظارات سوداء, لا توصلانني إلى أي جواب. بينما يطالعني هو عن بعد, دون أن تفضحه نظراته.
أن يسترق النظر غلي أثناء حديثه, هذا لا يعني شيئا. أي رجل غيره كان تصرف كذلك, على الأقل من باب الفضول, إن لم يكن من باب التحرش الصامت بأنثى تجازف بالجلوس بمفردها في مقهى بمدينة كهذه.
وماذا لو كان صديقه, هو الرجل الذي جئت من أجله, وأنه يمثل معي دور التجاهل كما فعل طوال عرض الفيلم, إن هذا الدور يشبهه تماما. إنه رجل يشي به الصمت, وتلك الزاوية اليمنى التي أختارها للجلوس مقابلا للذاكرة.
أخيرا جاء النادل بفنجان القهوة, وضعه أمامي, أو بالأحرى رمى به أمامي وذهب.
انتبهت لعدم وجود السكر جواره, كما هي العادة. رفعت يدي لأناديه, ولكنني عدلت فقد كان بعيدا, ولم أشأ أن أرفع صوتي لأقول كلاما تافها مثل "ياخويا.. يعيشك.. جيبلي سكريه".
شعرت أن صمتي أجمل من أن أكسره لأقول شيئا لنادل, خاصة أن عواقب ما سأقوله لن تكون محمودة, حسب ما توحي به لحيته.
فقد يرفض أن يعطيني السكر. وقد يطلب مني أن أذهب إلى بيتي, واشرب القهوة بالسكر أو بالقطران.. إذا شئت. هذا إذا لم يقلب علي فنجان القهوة.
فمنذ الأزل, الجزائر بلد يمكن أن يحدث لك فيه أي شيء مع نادل!
كتلك الحادثة التي روتها لي صديقة صحافية كانت موجودة في السبعينات في نزل فخم بالعاصمة, مع وفد من الصحافيين الجانب, بمناسبة الذكرى الثلاثين لاندلاع الثورة. وبعد انتظار طويل, وبعد أن يئست من إحضار طلباتها, استدعت النادل, وقالت له على طريقة الشرقيين:
نحن ننتظر منذ نصف ساعة, عليك أن تولينا اهتماما خاصا. إننا ضيوف لدى الرئاسة!
ولكنه رد عليها بطريقة لا يتقنها غير الجزائريين:
ما دمت ضيفة عن الرئاسة.. روحي لعند بن جديد "يسربيلك".
ومضى ليتركها مذهولة.
طبعا عندما عادت إلى سوريا وروت هذه الحاثة, لم يصدقها أحد. فعندنا فقط, يطلب النادل من رئيس الجمهورية أن يخدم ضيوفه بنفسه!
أمام ما أعرفه من قصص. عدلت عن طلب أي شيء من ذلك النادل. خاصة أنني في وضع "مشبوه" بالنسبة إليه.
حتى إنني, لم تكن بي رغبة في النهاية لاحتساء تلك القهوة.
ولكن.. فجأة وقف ذلك الرجل ذو القميص الأسود, واتجه نحوي, وفي يده صحن عليه بعض قطع من السكر.
لا أدري كيف انتبه لما كنت سأطلبه,, رغم كونه كان يبدو منشغلا بالحديث إلى صديقه.

إحساس غامض انتابني وهو يقترب مني. ويمدني بذلك الصحن الصغير. عطره الذي اخترق حواسي, أعادني إلى العطر الذي شممته في السينما, عندما اقترب ذلك الرجل مني ممسكا ولاعة.
فانتابني مزيج من الخوف والاندهاش.
وحدها نظرته كانت تنقص, ليكتمل المشهد. ولكن كان باستطاعته أن يثير داخلي الأحاسيس نفسها, ويقول الشيء نفسه, دون أن يخلع نظارته السوداء؛ فقد اصبح لهذا العطر ذكرى تقودني في عتمة الحواس.. لأستدل عليه.
ولذا لم أقاوم رغبة في استدراجه, أو في اختباره, وأنا أكرر معه المشهد نفسه, مستعملة الكلمات نفسها:
- أسفة.. لقد أزعجتك..
وجاءني الرد, مذهلا في تطابقه:
- قطعاً..
وكما في المرة الأولى قالها ومضى, دون ان يضيف شيئا.
أما أنا, فمن ذهولي بقيت لحظات أتابع عودته إلى تلك الطاولة. وجلوسه بالتلقائية نفسها التي غادرها بها.
لحظات.. أتأمله, قبل أن أصدق ردّاً لفرط ما أردته بدا لي كأنني توهمته.
لم يكن قرطي هو الذي وقع مني هذه المرة. وإنما قلبي الذي أصبح بكلمة واحدة يقع مغمى عليه كلما خطر للحب أن يلعب معي لعبة الغميضة, ويضعني أمام رجلين, عليّ كل مرة أن اتعرف بكلمة واحدة إلى أحدهما!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Palestinian M.B
عضو جديد
عضو جديد
avatar

عدد المساهمات : 30
تاريخ التسجيل : 20/11/2009
العمر : 22
ماهي بلدك : فلسطين

مُساهمةموضوع: رد: رواية فوضــــــــــــــــي الحواس   الجمعة نوفمبر 20, 2009 9:38 am


 رواية فوضــــــــــــــــي الحواس  منتديات المافياKSA
كنت ما أزال تحت وقع تلك الكلمة, عندما رأيتهما ينهضان. بدت من الرجل صاحب القميص الأبيض إشارة من رأسه كأنه يودعني بها, رافقتها نظرة غائبة تعد بشيء ما. ومضى.
لاحظت انه كان يرتدي بنطلونا أبيض ايضا, بينما توجه نحوي الآخر, ممسكا جريدة, لم تكن معه عند مجيئه.
وقف برهة أمامي.. ثم سألني:
- أتسمحين لي بالجلوس؟
كان يجب أن أقول "لا". أو في حالة أخرى "تفضل" ولكنني أجبت:
- طبعًا..
لكنه لم يجلس. قال وهو ما زال واقفا:
- في الحقيقة.. أنا أكره هذا المكان.. وأفضل أن نذهب لتناول شيء معًا في مقهًى آخر.. أيزعجك هذا..؟
أجبته:
- قطعًا.
طبعا, كان يجب أن اقول العكس. ولكن وجدتني لا أملك من لغة سوى لغته, خاصة أنني وجدت في عدم حبه لهذا المكان, دليلا آخر على كونه "هو".
أخرج من جيبه قطعة نقدية, تركها على الطاولة, ثمن قهوتي. ثم بلياقة فاجأتني, سحب الكرسي الذي أجلس عليه, ليساعدني على مغادرة المكان.
ولم أملك سوى أن اتبعه. أو بالأحرى أن أتبع شيماس هيني وأواصل مشيي في الهواء, مخالفة لما أعتقده.. صحيحا!
أمام باب المقهى أوقف سيارة أجرة بإشارة من يده وجلس جوار السائق. ووجدتني ألحق به, وأجلس خلف سائق شاب, فاجأتني طيبته. مما جعلني أغفر له ضيق سيارته وحرارتها القاتلة.
كنت سأفتح النافذة. ولكنني خفت أن يزيد هذا من احتمال رؤية الآخرين لي. فرحت أنتظر أن ينطق هذا الرجل.. لتنطلق بنا السيارة أخيرا.
- هل تعرف مكانا يمكن أن نذهب إليه؟
التفت السائق دهشا نحوه؛ فلم يحدث أن طرح عليه راكب سؤالا كهذا.
تأمله بشيء من السخرية. ربما أشفق علينا, أو بارك جنوننا..
قال:
- أين تريدان الذهاب؟
أجاب اللون الأسود:
- إلى أي مكان لا يزعجنا فيه أحد. هل هناك مقهى, أو قاعة شاي هادئة؟
ابتسم الرجل ساخرا من طلبه. ومن الأرجح أن يكون قد استنتج أننا غرباء.
أدار محرك سيارته وطار بنا.
كان الطريق بعيدا بعض الشيء. ورغبة لم تفارقني أثناءه. بالجلوس أخيرا الى هذا الرجل. أن أكون جواره أو مقابلة له, لا خلفه كما أنا الآن. يصلني منه بعض عطره, تحمله نسمت سيارة مسرعة. فأتقاسم معه مجرى الهواء.. وكثيرا من صمت الأسئلة.
أولها: لماذا جلس جوار السائق؟ أليضع بيننا مسافة ما.. لسبب أو لآخر, أم لأن أي سائق (أجرة) في الجزائر يشترط علي أن تجلس جواره لا خلفه؟ وقد يذكرك بهذا صارخا في وجهك "يا خو.. مانيش خدّام عندك!".
أما السؤال الأهم فهو ليس سبب جلوسي وراءه وإنما طبعا سبب وجودي معه.
ما الذي أوصلني إلى هنا؟ ترى فضولي الأدبي هو الذي جعلني أدخل مغامرة على هذا القدر من الغرابة؟
أم تراني أذهب نحو الحب بذريعة الأدب؟
وكيف يمكن لرجل لم يقل لي سوى بضع كلمات, أو بالأحرى كلمة, أن يأتي بي حتى هنا, دون أن أسأله حتى من يكون. وكان كل قدراتي العقلية قد تعطلت, لتنوب عنها حواسي. فألحق رجلا اختزن جسدي رائحته؟
في لحظة ما, كدت أسأله "ما اسم عطرك يا سيدي؟" ثم ترددت. جنون أن أسأل رجلا عن اسم عطره, قبل أن أسأله عن اسمه الآن, فسيأخذ السؤال بُعد الإهانة للحلم.
الحلم لا اسم له.
وهو, تراه يعرف اسمي؟ وأي الأسماء تراه يعرف.. اسمي أم اسمها؟ ورفقة من هو جالس.. برفقتي أم برفقتها؟ ومع من هو ذاهب إلى هذا العنوان الذي لا يعرفه, معي أم معها؟
عند "سيدة السلام" توقفت بنا السيارة, أمام مقهى شاهق الموقع, هادئ الأجواء, يطل على أودية لا نهاية لعمقها.
مضى السائق محملا بشكرنا اللغوي.. والنقدي ليتركنا أمام الأسئلة.
أجبنا عن سؤال النادل بالجواب نفسه: "نريد كوكا". وكأننا نقول, نريد أن تتركنا وشأننا.
وصمتا لنترك المجال لأسئلة أكبر.
كنت أعد نفسي لكلام كثير. ولكنه لم يقل شيئا. أشعل سيجارة, وراح يتأملني في نظرة تطالعني بين غيابين. ثم قال وهو يسكب لي المشروب, بيد ما زالت ممسكة بالسيجارة:
- أخيرا أنتِ!
كان في نبرته شوق, أو اندهاش جميل. كأنما لفرطه, لا يمكن أن تختصره أكثر من كلمتين.
شعرت أنه يواصل الحديث إلى امرأة غيري. ربما تلك المرأة التي لم يكن يقول لها شيئا, عدا صمته. وربما امرأة أخرى غيرها.
ذهلت لاستنتاج كهذا. أيعقل أن يأخذني مأخذها؟
ولكنه واصل بما يؤكد ظني:
- غريب حقا.. أن أصادفك في ذلك المقهى. لولا صديقي لما حضرت إلى هناك.
صمت قليلا ثم واصل:
- شيء فيك تغير منذ ذلك الوقت. ربما تسريحتك... أحبك بشعرك الطويل هذا. أتدرين... كدت لا أتعرف عليك لولا ثوبك الأسود.
سألته دهشة:
- وهل تعرف هذا الثوب؟
أجب ضاحكا:
- لا.. ولكنني أعرف لك طريقة في ارتداء الأسود.. لكأنه معك لون خلق للفتنة لا للزهد.
لم أدر كيف أرد على غزل لم اكن مهيأة له, ولا أظنني كنت المقصودة به.
قلت وأنا أسايره في خطاه:
- أما أنا.. فاعترف أنك فاجأتني.. قبلك لم أر رجلا يلبس الأسود في هذه المدينة, حتى لو كان ذلك حدادا. لكأن الرجال يخافون هذا اللون أو يكرهونه.
- وأي لون توقعت أن أرتدي؟
- لا أدري لكن الناس هنا يرتدون ثيابا لا لون لها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
almafia ksa
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 1021
تاريخ التسجيل : 18/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: رواية فوضــــــــــــــــي الحواس   الجمعة فبراير 12, 2010 3:26 am


 رواية فوضــــــــــــــــي الحواس  منتديات المافياKSA
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
و

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://vip300x.yoo7.com
 

رواية فوضــــــــــــــــي الحواس

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات المافيا KSA :: الـــقـــســم الـــعام \ General Discussion :: منتدى القصص قصص واقعيه قصص خياليه قصص الانبياء والرسل قصص اسلاميه-


المواضيع والمشاركات المنشورة في  منتديات المافيا KSA لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي للإدارة بل تمثل  وجهة نظر كاتبها فقط
 وأبرئ نفسي أنا صاحب الموقع ، أمام الله عز وجل وأمام جميع الزوار والأعضاء على ما يحصل من تعارف بين الأعضاء على ما يخالف ديننا الحنيف ، والله ولي التوفيق


يمنع اضافة الصور النسائيه في المنتدى والمواضيع الخادشه للحياءويمنع اضافة الموسيقى والاغاني دخل المنتدىومن يخالف القوانين سوف يتم طرده من المنتدى


ارجو ان يكون ردك على الموضوع بصيغه جميله تعبر عن شخصيتك الغاليه عندنا ...مع التقدير ..الادارهصفحه جديده1
© phpBB | منتدى مجاني | منتدى مجاني للدعم و المساعدة | التبليغ عن محتوى مخالف | مدونة مجانية